أمين سامي: تحسن انتظار السفن لا يعني انتهاء اختناقات النقل البري
سامي: لا دليل حتى الآن على ارتفاع عام في أسعار السلع

تثير الاختناقات التي تشهدها حركة الحاويات في ميناءي الدار البيضاء وطنجة المتوسط مخاوف من انتقال تكاليف التأخير والتخزين إلى أسعار السلع المستوردة، في وقت يشدد فيه خبراء تحدثوا إلى «إرم بزنس» على أن وجود كلفة إضافية لا يعني حتى الآن تسجيل زيادة عامة ومثبتة في الأسعار.
ووفقاً لما نقلته صحيفة «هسبريس» عن مصادر مهنية في قطاع الاستيراد، وصلت مدة برمجة بعض الشحنات إلى نحو 20 يوماً، بينما ظلت حاويات فوق الشاحنات مدة تراوحت بين ثلاثة وسبعة أيام في انتظار المعاينة والتفتيش.
وتتركز شكاوى المستوردين، بحسب المصادر، في ميناءي طنجة المتوسط والدار البيضاء، مع تحذيرات من رسوم وغرامات تتراكم كلما تجاوزت الحاويات الفترات المسموح بها.
لكن الصورة ليست موحدة في جميع مراحل حركة البضائع. ففي ميناء الدار البيضاء، تحسن انتظار السفن في المنطقة البحرية بصورة ملحوظة، بينما استمرت الاختناقات المرتبطة بحركة الشاحنات وإخراج الحاويات من الميناء.
وأفادت تقارير من قطاع الملاحة البحرية المغربي بأن عدد السفن المنتظرة تراجع من 89 سفينة خلال ذروة الازدحام إلى أربع سفن فقط في 23 سبتمبر، بالتزامن مع فتح البوابة رقم 4 ليلاً من التاسعة مساء حتى السابعة صباحاً لتخفيف الضغط عن المداخل.
في المقابل، نقلت تقارير محلية عن مهنيين أن بعض الشاحنات انتظرت ما يصل إلى 12 ساعة لإخراج الحاويات، إضافة إلى فترات عند نقاط المراقبة، ما يعني أن تحسن حركة السفن لا يضمن بالضرورة وصول البضاعة سريعاً إلى مخازن المستوردين أو الأسواق.
قال استشاري اقتصاد النقل الدولي وسلاسل الإمداد زياد الهاشمي لـ«إرم بزنس» إن المشكلة في الموانئ المغربية لا ترتبط بصورة رئيسة بالطاقة الاستيعابية أو عدد الأرصفة، بل بانسيابية حركة الحاويات بعد وصولها إلى الميناء.
وأوضح أن التأخير يشمل إدخال بيانات الحاويات إلى الأنظمة الإلكترونية، وعمليات التفتيش والمعاينة، ثم إجراءات التخليص، ما يؤدي في بعض الحالات إلى تجاوز فترات السماح وتراكم الحاويات في الأرصفة.
وأضاف أن تكدس الحاويات يصعّب بدوره حركة الشاحنات التي تحاول إخراج الشحنات التي استكملت إجراءاتها، لتصبح المنظومة أمام أكثر من نقطة اختناق داخل السلسلة اللوجستية.
وقال الهاشمي: «نحن أمام أكثر من اختناق في السلسلة اللوجستية للموانئ المغربية»، مشيراً إلى أن معالجة المشكلة تتطلب النظر إلى رحلة الحاوية كاملة، لا إلى المساحة المتاحة داخل الميناء فقط.
وتبدأ الكلفة بالارتفاع بوضوح، بحسب الهاشمي، عندما تتجاوز الحاوية فترة السماح المتفق عليها، إذ تُفرض بعدها رسوم التأخير والتخزين، التي تنتقل من الميناء أو شركة الشحن إلى المستورد.
ولا تتوقف الفاتورة عند هذه الرسوم، بل تشمل أيضاً كلفة تعطّل الشاحنات ونقل الحاويات إلى المخازن وتأخر دوران البضاعة وتجميد السيولة مدة أطول.
وأوضح الهاشمي أن المستورد يتحمل في البداية الجزء الأكبر من هذه الأعباء، لكنه قد يضطر لاحقاً إلى إضافتها إلى سعر البيع إذا تكررت التأخيرات وارتفعت الغرامات بما يتجاوز هامش الربح المتاح، لتصل الكلفة في النهاية إلى المستهلك.
من جهته، قال الخبير والمستشار في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي محمد أمين سامي لـ«إرم بزنس» إن الأدلة المتاحة تؤكد وجود اختناقات وتأخيرات تشغيلية، إلا أن تحسن انتظار السفن في الدار البيضاء يمنع توصيف الأزمة باعتبارها تعطلاً شاملاً في الميناء.
وأوضح أن الأزمة تجمع بين عوامل ظرفية، مثل سوء الأحوال الجوية وتزامن وصول الشحنات والضغط الموسمي، وبين مشكلات تشغيلية وتنظيمية تؤثر في سرعة خروج البضائع.
وشدد سامي على ضرورة التمييز بين انتظار السفن في البحر ومدة بقاء الحاويات بعد تفريغها داخل الميناء، لافتاً إلى أن تراجع عدد السفن المنتظرة لا ينفي استمرار شكاوى النقل البري.
وقال إن البيانات المتاحة لا تسمح بالجزم بأن ميناء الدار البيضاء استنفد طاقته الاستيعابية، ما لم تُنشر معلومات تفصيلية عن إشغال المحطات ومدة مكوث الحاويات ومراحل التأخير.
وأضاف: «قيمة الميناء بالنسبة إلى الاقتصاد لا تُقاس فقط بعدد السفن والحاويات التي يستقبلها، بل أيضاً بسرعة وصول البضاعة إلى المصنع والمتجر».
وفي ما يتعلق بالأسعار، رجح سامي انتقال جزء من الكلفة الإضافية إلى المستهلك إذا استمر التأخير، لكنه أكد أن هذا الانتقال سيكون متفاوتاً بين السلع والشركات.
وقد يمتص المستورد أو الموزع التكاليف مؤقتاً عبر تقليص هامش الربح، خصوصاً في الأسواق التي تشهد منافسة قوية أو ضعفاً في الطلب. لكن استمرار التأخير وتراجع المخزون وارتفاع الحاجة إلى السيولة قد يدفع الشركات إلى رفع أسعار الشحنات الجديدة.
ويكون التأثير أكبر في السلع منخفضة القيمة مقارنة بحجم الحاوية، أو المنتجات ذات المخزون المحدود، أو المواد الأولية وقطع الغيار التي يؤدي تأخرها إلى تعطيل الإنتاج المحلي.
وأكد سامي أنه لا يمكن استنتاج نسبة ارتفاع الأسعار من غرامة الحاوية وحدها، أو تعميم أثر الاختناقات على معدل التضخم في المغرب، من دون فواتير فعلية وبيانات عن المخزون وأسعار البيع قبل الأزمة وبعدها.
وبحسب تقارير مغربية، بدأ في 5 أكتوبر تطبيق إجراءات جديدة في ميناء الدار البيضاء تستهدف تنظيم تجهيز وصول السفن وجدولة إخراج الشحنات وإدارة أولوية الرسو. كما يُنتظر عقد اجتماع في 15 أكتوبر لتقييم التدابير المطبقة، وبحث خيارات إضافية، من بينها تنظيم دخول الشاحنات وفق مواعيد مسبقة.