logo
اقتصاد

الائتمان يتسارع و"الكاش"يتضخم.. اقتصاد المغرب في وضع المخاطرة

الائتمان يتسارع و"الكاش"يتضخم.. اقتصاد المغرب في وضع المخاطرة
صورة لورقة نقدية من فئة 20 درهماً مغربيةالمصدر: بنك المغرب
تاريخ النشر:

تسير السياسة النقدية في المملكة المغربية بين اتجاهين متناقضين؛ يكمن الأول في التسارع الملحوظ لنمو الائتمان والارتفاع المتزايد في حجم النقد المتداول خارج القطاع المصرفي، بينما يتجسد الثاني في التراجع النسبي لعجز السيولة لدى البنوك. وتعكس هذه الوضعية توسعاً في النشاط النقدي والائتماني، لكنها تضع السيولة المصرفية في الوقت نفسه تحت وطأة ضغوط متصاعدة خلال المرحلة المقبلة.

وفقاً لتصريحات خبراء اقتصاد مغاربة لـ«إرم بزنس»، فإن الاقتصاد المغربي يقف أمام "مفارقة نقدية" لا تعني وجود انهيار وشيك، إلا أنها لا تنفي في الوقت ذاته تشكّل مخاطر مستقبلية، استناداً إلى أحدث البيانات المتعلقة بالسيولة البنكية. واقترح الخبراء للتعامل مع هذا الوضع الإسراع في تطبيق الشمول المالي لتقليص حجم "الكاش" المتداول خارج النظام البنكي، والحد من الاقتصاد غير الرسمي، إلى جانب تخفيف الضغط على الجهاز المصرفي المحلي عبر تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

اتساع الفجوة وتصاعد احتياجات السيولة

توقع تقرير السياسة النقدية الصادر عن بنك المغرب في أواخر سبتمبر الماضي، أن تواصل احتياجات البنوك من السيولة تفاقمها التدريجي، لتبلغ نحو 146 مليار درهم (ما يعادل 14.8 مليار دولار) بنهاية عام 2026، لتصل بعد ذلك إلى 168.2 مليار درهم بحلول عام 2027، ووفقاً للتقرير، يعود هذا الارتفاع أساساً إلى الاستمرار القوي في تداول الأوراق والقطع النقدية.

أخبار ذات صلة

جانب من مدينة الدار البيضاء المغربية يوم 20 أبريل 2023

نمو الاقتصاد المغربي يتباطأ إلى 4% خلال الربع الثاني

وفيما يخص الائتمان البنكي، أظهرت الأرقام تسارعاً في نموه السنوي من 9.8% خلال الربع الثاني إلى 10.1% في شهر يوليو، مدفوعاً بشكل رئيسي بارتفاع حجم القروض الموجهة للشركات الخاصة بنسبة 11% مقارنة بـ 8.1% في الربع الثاني.

أما على صعيد الكتلة النقدية وديناميكية النقد المتداول، فقد سجل المجموع النقدي M3 تباطؤاً في النمو السنوي ليصل إلى 11.2% في يوليو مقابل 11.7% في الفصل الثاني، وذلك إثر تراجع وتيرة نمو صناديق التوظيف الجماعي النقدية والودائع بالعملة الصعبة. وفي المقابل، واصلت الكتلة النقدية المتداولة (الأوراق والقطع النقدية) صعودها بوتيرة قوية بلغت 18% (بعد أن كانت 18.4%)، فيما ارتفعت الودائع تحت الطلب بنسبة 11.2%، وانخفضت الودائع لأجل بنسبة 2.2%.

وفي السياق نفسه، كشفت مذكرة ظرفية صدرت عن مديرية الدراسات والتوقعات المالية بالمغرب في أواخر سبتمبر الماضي، أن متوسط حاجة البنوك الأسبوعية للسيولة بلغ 132.3 مليار درهم خلال شهر أغسطس الماضي، مقارنة بـ 125.7 مليار درهم في يوليو. وأوضحت المديرية أنه استجابة لهذا الوضع، زاد بنك المغرب من حجم ضخ السيولة ليبلغ المتوسط الأسبوعي لتدخلاته 150 مليار درهم، بعدما كان عند حدود 144.1 مليار درهم في يوليو.

العيساوي: تشوه هيكلي وضغط متزايد

في تحليله للوضع النقدي، يوضح المحلل الاقتصادي المغربي إدريس العيساوي في حديثه لـ«إرم بزنس»، أن  المشهد النقدي في المغرب يمر بمفارقة لافتة؛ فاقتصاد البلاد لا يدخل مرحلة سيولة مقلقة بمفهوم الانهيار، بل يواجه ضغوطاً متصاعدة جراء "تشوه هيكلي".

ويفصل العيساوي هذا المشهد قائلاً: «من جهة، نشهد تسارعاً في الائتمان البنكي بنسبة 10.1% لتمويل الاستثمارات والمشاريع الكبرى للمقاولات، ومن جهة أخرى، يتضخم النقد المتداول خارج البنوك بنسبة قوية بلغت 18%». ويشير إلى أن هذا التضخم النقدي يسحب السيولة من القنوات الرسمية، مما يجبر بنك المغرب على التدخل المستمر عبر ضخ مليارات الدراهم للحفاظ على التوازن داخل السوق النقدية.

وعن خلفيات هذا النمو الائتماني، يُرجع العيساوي السبب الرئيسي إلى ارتفاع قروض المقاولات الخاصة بنسبة 11%، مدفوعة بالطلب المتزايد على التمويل من قبل المشاريع الاستراتيجية الكبرى، مثل محطات تحلية مياه البحر وتوسعة خط القطار فائق السرعة (LGV).

وفيما يتعلق بلغز ظاهرة "تضخم الكاش"، يُبين العيساوي أن الثقافة الاستهلاكية في المغرب ما زالت تفضل التعامل النقدي المباشر، مدعومة بنشاط القطاع غير المهيكل والمناسبات الموسمية (مثل فترة الصيف وعيد الأضحى وعودة المغاربة المقيمين بالخارج)، وهو ما يحرم البنوك من ودائع مهمة تحت الطلب ويعمق بالتالي حاجتها للسيولة الرسمية.

 مقر البنك المركزي المغربي في العاصمة الرباط - 20 فبراير 2020
مقر البنك المركزي المغربي في العاصمة الرباط - 20 فبراير 2020المصدر: رويترز

وحول مدى خطورة الوضع، يلفت العيساوي إلى أنه رغم أن تراجع عجز السيولة الصيفي إلى 129 مليار درهم وفق التقديرات الرسمية يبعث على الارتياح المؤقت، إلا أن المؤشرات المستقبلية تستدعي الحذر؛ نظراً للمخاطر المتمثلة في توقعات بنك المغرب بارتفاع احتياجات البنوك للسيولة إلى 146 مليار درهم بنهاية 2026، وتفاقمها إلى 168.2 مليار درهم في 2027.

وللخروج من هذه الدائرة وضمان استدامة النمو، يدعو العيساوي إلى وضع خطة تحرك ترتكز على مسارات استراتيجية، في مقدمتها، تسريع الشمول المالي: لتقليص التعامل بـ "الكاش" عبر تشجيع وسائل الدفع الإلكتروني، ومحاربة الاقتصاد غير المهيكل لإعادة توجيه الأموال إلى الدورة المصرفية الرسمية، وتخفيف الضغط على القطاع البنكي: عبر الاعتماد المتوازن على التمويلات الخارجية المبتكرة وشراكات القطاعين العام والخاص في مشاريع البنية التحتية وتسريع وتيرة الاستثمارات.

سامي: العجز لا يعني أزمة، لكنه يستوجب الرقابة

من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي المغربي أمين سامي في حديثه لـ«إرم بزنس»، أن السبب الجوهري وراء صعود احتياجات البنوك المستقبلية هو الاستمرار في نمو النقد المتداول خارج المنظومة البنكية، وهو ما يرفع من حجم حاجتها لسيولة البنك المركزي.

وعن احتمالية الدخول في مرحلة سيولة مقلقة، يرى سامي أن المعطيات الحالية تُشير إلى وجود ضغط متزايد يتطلب المتابعة والدراسة، لكنها لا تؤكد بأي حال وجود أزمة سيولة. ويوضح أن عجز السيولة المصرفية يُعبر عن حاجة البنوك لتمويلات من البنك المركزي لتلبية متطلباتها، ولا يعني بالضرورة تعثرها أو عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

ويضيف سامي أن المخاطر قد تزداد فقط إذا تزامن ارتفاع الاحتياجات مع صعوبات في الحصول على التمويل أو تراجع في جودة القروض، مشدداً على ضرورة تقييم عجز السيولة جنباً إلى جنب مع مؤشرات السلامة المصرفية وليس بشكل منفصل عنها. 

أخبار ذات صلة

فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المغربية المعينة حديثاً، تصل لحضور اجتماع في الرباط - 29 سبتمبر 2026.

رفع الأجور وخفض الضرائب.. هل تملك حكومة المنصوري في المغرب كلفة ذلك؟

وحول تسارع نمو الائتمان، يدعو سامي إلى عدم القلق، موضحاً أن هذا التسارع لا يشكل خطراً إلا إذا تجاوز القدرة التمويلية للعملاء على السداد، أو في حال تركز التمويل في قطاعات ومشروعات معينة، أو اتسعت الفجوة الزمنية بين آجال القروض ومصادر تمويلها.

ويؤكد الخبير الاقتصادي أمين سامي على أن تباطؤ نمو النقد لا يعني انخفاض حجمه الكلي، وبالتالي فإن الضغط على السيولة قد يستمر خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن استقرار النظام المصرفي يظل مرهوناً بجودة الأصول وكفاية رأس المال وتوفر التمويل، مع ضرورة توسيع قاعدة الشمول المالي وإتاحة وسائل دفع إلكترونية ميسرة لتقليل الاعتماد المفرط على النقود الورقية.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف