
بدأت الكلفة المادية لمشروع «غوغل كلاود» (Google Cloud) في الكويت تتضح مع انتقاله إلى مرحلة التنفيذ، عبر تخصيص نحو 90 ألف متر مربع لمراكز البيانات، وتقدير كلفة مشروع لإنشاء 3 محطات تحويل كهربائية لخدمتها، في ما يبدو ترسيخاً للشراكة التي بدأت قبل أكثر من 3 سنوات.
وتكشف العقود والمشروعات المرتبطة بالمراكز حجم البنية المطلوبة لتشغيل «السحابة»؛ إذ يصل الحمل التقني في إحدى المنشآت التي تطورها شركة «ديجيتس» (Digitus)، التابعة لمجموعة «حياة للاتصالات»، لصالح «غوغل» إلى نحو 12 ميغاواط، فيما تصل القيمة المحتملة لاتفاق استضافة آخر في المطلاع إلى نحو 50 مليون دولار.
تضع هذه الأرقام ملامح اقتصادية أكثر وضوحاً للمشروع، بعدما انتقل من اتفاق للتحول الرقمي إلى استثمارات فعلية في الأراضي ومراكز البيانات وشبكات الكهرباء، في بلد بلغ فيه الحمل الكهربائي الأقصى 17,540 ميغاواط خلال صيف 2026.
ومع تقدم أعمال الإنشاء، انتقل التركيز إلى البنية اللازمة لتشغيل المراكز، إذ بحثت «الهيئة العامة للاتصالات وتقنية المعلومات» في سبتمبر مع وزارتي الكهرباء والماء والطاقة المتجددة والأشغال العامة و«غوغل كلاود» مستوى جاهزية البنية التحتية ومتطلبات استكمال الأعمال في المواقع الثلاثة، في أحدث متابعة رسمية لتقدم المشروع.
تحتاج المراكز الثلاثة إلى بنية كهربائية خاصة قبل دخولها مرحلة التشغيل، إذ طرحت وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة مشروعاً لتوريد وتركيب 3 محطات تحويل رئيسية بجهد 132/11 كيلوفولت، مع المغذيات والملحقات المرتبطة بها، لخدمة مراكز البيانات السحابية.
وتقدر كلفة مشروع المحطات بنحو 22 مليون دينار كويتي، أي نحو 72 مليون دولار، بحسب تفاصيل المناقصة التي أوردتها مصادر محلية ومتخصصة، ما يقدم مؤشراً على حجم الإنفاق المطلوب للبنية الكهربائية قبل احتساب كلفة إنشاء المراكز وتجهيزها بالخوادم والمعدات التقنية.
وتشمل المناقصة توريد وتركيب المحطات الرئيسية التي ستوفر الكهرباء لمراكز البيانات، إلى جانب المغذيات والملحقات، فيما مُددت مواعيد تقديم العطاءات خلال 2026 تمهيداً لإحالتها إلى وزارة الكهرباء لدراسة العروض وإعداد التوصية الفنية.
وتبرز أهمية هذا الاستثمار مع طبيعة مراكز البيانات، التي تعمل على مدار الساعة وتتطلب استقراراً مرتفعاً في التغذية الكهربائية، إلى جانب الطاقة اللازمة لأنظمة التبريد والتخزين والشبكات والتجهيزات المساندة. وبذلك، تبدأ متطلبات الكهرباء قبل تشغيل الخوادم نفسها، من خلال إنشاء البنية القادرة على إيصال الطاقة إلى المواقع بصورة مستقرة.
سبق تجهيز البنية الكهربائية تخصيص الأراضي التي ستقام عليها المراكز، إذ تبلغ مساحة كل واحد من المواقع الثلاثة نحو 30 ألف متر مربع، لترتفع المساحة الإجمالية المخصصة للمشروع إلى نحو 90 ألف متر مربع.
وتصل إيرادات «الهيئة العامة للاتصالات وتقنية المعلومات» من تأجير المواقع إلى نحو 12.6 مليون دينار خلال 20 عاماً، بواقع 210 آلاف دينار سنوياً لكل موقع، وفق تفاصيل العقد الذي حصل على موافقة ديوان المحاسبة.
وتشكل الأراضي حلقة متقدمة في مسار بدأ باتفاق أوسع للتحول الرقمي بين الحكومة الكويتية و«غوغل كلاود» في يناير 2023، قبل أن ينتقل إلى التنفيذ المادي مع توقيع «الهيئة العامة للاتصالات وتقنية المعلومات» عقد تأجير الأراضي مع «غوغل» في ديسمبر 2024 لإنشاء مراكز البيانات المخصصة لخدمات الحوسبة السحابية.
وبعد أكثر من 3 سنوات على إطلاق الشراكة، أصبحت ملامح الاستثمار أكثر وضوحاً؛ فتنفيذ الخدمات السحابية محلياً لا يرتبط بالبنية التقنية وحدها، وإنما يتطلب أصولاً مادية تبدأ بالأرض وتمتد إلى منشآت البيانات والكهرباء والربط بالشبكة.
يقدم مشروع «ديجيتس» مؤشراً فعلياً عن حجم القدرة الكهربائية داخل إحدى المنشآت المرتبطة بـ«غوغل»، إذ تكشف نشرة الشركة عن تنفيذ مركز بيانات في الكويت بحمل تقني يقارب 12 ميغاواط.
وتوضح النشرة أن المنشأة تنفذ وفق معايير «تير 3 بلس/تير 4» (Tier 3+/Tier 4)، المرتبطة بمستويات مرتفعة من الاعتمادية واستمرارية التشغيل، على أن تتولى «ديجيتس» لاحقاً تشغيل المركز وصيانته بموجب عقد طويل الأجل.
يرتبط المشروع أيضاً باتفاق متعدد السنوات أبرمته «ديجيتس» مع «غوغل كلاود سيرفيسز كومباني إس بي سي الكويت» (Google Cloud Services Company SPC Kuwait) لتوفير مساحة استضافة في موقع المطلاع بسعة تبلغ عدة ميغاواطات.
وتصل القيمة المحتملة للاتفاق إلى نحو 50 مليون دولار، وفق شركة «جي إل إيه آند كومباني» (GLA & Company)، التي قدمت الاستشارات القانونية للصفقة.
وتكشف هذه العقود أن الإنفاق المرتبط بمراكز البيانات يتوزع على سلسلة أوسع من الأنشطة، من تصميم المنشآت وبنائها إلى استضافتها وتشغيلها وصيانتها، إلى جانب البنية الكهربائية والاتصالات اللازمة لعملها.
يأتي إنشاء المراكز في وقت تستوعب فيه شبكة الكهرباء الكويتية أحمالاً جديدة مع الحفاظ على مستويات متقاربة للذروة. فقد سجل أقصى حمل 17,540 ميغاواط في صيف 2026، مقابل 17,610 ميغاواط في 2025 و17,640 ميغاواط في 2024، وفق وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة.
وفي الوقت نفسه، دخلت إلى الشبكة أحمال جديدة بلغت 1,059 ميغاواط بين صيفي 2024 و2025، ثم 1,019 ميغاواط إضافية بين صيفي 2025 و2026، بإجمالي 2,078 ميغاواط خلال عامين.
ولا تشير هذه الأرقام إلى عجز في قدرة الشبكة على استيعاب مراكز البيانات، وإنما تضع المشروع في سياق منظومة كهربائية تستقبل أحمالاً جديدة باستمرار. وتكمن خصوصية مراكز البيانات في أنها تحتاج إلى تغذية مستقرة ومتواصلة على مدار الساعة، وهو ما يفسر تخصيص محطات تحويل لخدمة المواقع وربطها بالبنية الكهربائية.
بذلك، لا ترتبط الكلفة الكهربائية للمشروع بكمية الطاقة التي تستخدمها الخوادم وحدها، بل تشمل أيضاً تجهيز البنية التي تضمن وصول الكهرباء إليها بالاعتمادية المطلوبة للتشغيل المستمر.
لا تستهلك معدات الحوسبة كامل الكهرباء التي تدخل مركز البيانات، إذ تحتاج المنشآت أيضاً إلى أنظمة التبريد وتوزيع الطاقة والتجهيزات المساندة.
وتظهر بيانات «غوغل» لمراكزها حول العالم أن متوسط مؤشر «كفاءة استخدام الطاقة» (PUE) بلغ 1.09 خلال 2025، ما يعني أن كل وحدة كهرباء تستخدمها معدات تقنية المعلومات يقابلها في المتوسط نحو 0.09 وحدة إضافية لتشغيل بقية أنظمة المركز.
وتكتسب كفاءة التشغيل أهمية خاصة في الكويت مع ارتفاع درجات الحرارة صيفاً والحاجة المستمرة إلى تبريد المعدات، ما يجعل كفاءة أنظمة الطاقة والتبريد عاملاً مؤثراً في كلفة تشغيل مراكز البيانات.
وتكشف هذه الاستثمارات جانباً مادياً من اقتصاد الحوسبة السحابية لا يظهر عادةً عند الحديث عن الخدمات الرقمية؛ فالتوسع في القدرة الحاسوبية ينشئ بالتوازي طلباً على الأراضي والكهرباء والإنشاء والتشغيل والاتصالات.
وبذلك، لا تمثل «السحابة» استثماراً تقنياً منفصلاً عن بقية الاقتصاد، بل توسعاً رقمياً يمتد أثره إلى قطاعات البنية التحتية، مع انتقال مشروع «غوغل كلاود» في الكويت من اتفاق للتحول الرقمي إلى منشآت واستثمارات فعلية على الأرض.