
بعد خسائر قوية خلال سبتمبر، يعود السؤال الذي يشغل المستثمرين: هل يمثل تراجع الذهب فرصة للشراء، أم أن ارتفاع عوائد السندات الأميركية وتشدد السياسة النقدية قد يدفعان المعدن الأصفر إلى مزيد من الهبوط؟
وتكشف توقعات عدد من البنوك والمؤسسات المالية الكبرى، من بينها «غولدمان ساكس» و«إتش إس بي سي» و«مورغان ستانلي» و«يو بي إس»، عن استمرار النظرة الإيجابية تجاه الذهب على المدى الأطول، رغم اتفاقها على وجود مخاطر قصيرة الأجل مرتبطة بالفائدة المرتفعة وقوة الدولار وصعود عوائد السندات.
وتداول الذهب، الجمعة، قرب 4,200 دولار للأوقية، بعدما خسر نحو 6% خلال سبتمبر، في وقت قفز فيه عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 5.34%، وهو أعلى مستوى منذ 2002.
ويمثل ارتفاع العوائد أحد أكبر التحديات أمام المعدن الأصفر، إذ لا يقدم الذهب فائدة دورية، ما يجعل السندات والأدوات ذات الدخل الثابت أكثر جاذبية عندما ترتفع العوائد.
لكن قدرة الذهب على البقاء أعلى من 4,000 دولار رغم القفزة الكبيرة في عوائد السندات دفعت مؤسسات مالية إلى الحديث عن تغير هيكلي في السوق، تقوده مشتريات البنوك المركزية وتنويع الاحتياطيات والمخاوف المتعلقة بالديون الحكومية والتوترات الجيوسياسية.
لا يزال بنك «غولدمان ساكس» يحتفظ بنظرة إيجابية تجاه الذهب على المدى الأطول، رغم عودة مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة.
ويرى البنك أن ارتفاع الفائدة قد يضغط على المعدن الأصفر على المدى القصير، لكنه لا يلغي العوامل الهيكلية التي دعمت الأسعار، وفي مقدمتها مشتريات البنوك المركزية والطلب على الذهب باعتباره أداة لتنويع الاحتياطيات.
وفي الوقت نفسه، أصبح «غولدمان ساكس» أقل تشدداً بشأن المسار المقبل للفائدة الأميركية بعد صدور بيانات التضخم الأخيرة، إذ أرجأ توقعاته للزيادة التالية في أسعار الفائدة من أكتوبر إلى ديسمبر، بل أشار إلى إمكانية أن يقرر الاحتياطي الفيدرالي في النهاية عدم الحاجة إلى المزيد من الزيادات إذا استمرت ضغوط الأسعار في الانحسار.
ويمثل توقف دورة رفع الفائدة سيناريو داعماً للذهب، إذ من شأن استقرار العوائد أو تراجعها أن يقلل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن الأصفر.
ويقدم مصرف «إتش إس بي سي» رؤية أكثر حذراً على المدى القصير، لكنه يرى أن الذهب ربما يقترب من تكوين قاع سعري بعد التراجع الأخير. وخفض البنك توقعاته لمتوسط سعر الذهب إلى نحو 4,490 دولاراً للأوقية في 2026 و4,825 دولاراً في 2027.
ويرى «إتش إس بي سي» أن المعدن قد يظل تحت الضغط على المدى القريب نتيجة ارتفاع العوائد والفائدة الأميركية، لكنه يتوقع عودة مشتريات البنوك المركزية بقوة أكبر في حال واصل الذهب التراجع، خصوصاً إذا انخفض إلى أقل من 4,000 دولار للأوقية.
ويكتسب مستوى 4,000 دولار أهمية متزايدة بالنسبة إلى السوق، إذ قد يؤدي ظهور طلب قوي من البنوك المركزية والمستثمرين المؤسسيين قرب هذه المستويات إلى توفير أرضية للأسعار.
وأشار البنك كذلك إلى أن عمليات البيع الكبيرة، ولا سيما من الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب، بدأت تتراجع، فيما لا يزال الطلب المؤسسي على السبائك قوياً.
أما «مورغان ستانلي»، فيلفت إلى ظاهرة لافتة تتمثل في قدرة الذهب على الصمود فوق 4,000 دولار رغم وصول عوائد السندات الأميركية إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ أكثر من عقدين.
وترى إيمي غاور، استراتيجية السلع في «مورغان ستانلي»، أن ارتفاع العوائد يمثل تحدياً واضحاً للمعدن الذي لا يدر فائدة، إلا أن صمود الأسعار يشير إلى وجود مصادر طلب أخرى تتجاوز العلاقة التقليدية بين الذهب والعوائد الأميركية.
ويستفيد المعدن أيضاً من المخاوف بشأن الديون الحكومية وتنويع الاحتياطيات والطلب على الملاذات الآمنة، ما ساعده على مقاومة الضغوط الناجمة عن السياسة النقدية.
وتظهر قوة الطلب بوضوح في الصين، أكبر مستهلك للذهب في العالم، إذ بلغت وارداتها نحو 1,077 طناً خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، في مسار قد يدفع الواردات السنوية إلى أعلى مستوياتها في 11 عاماً.
ويبدو «يو بي إس» أكثر تفاؤلاً بشأن المسار المتوسط الأجل للذهب، إذ يتوقع وصول السعر إلى نحو 5,400 دولار للأوقية خلال 12 شهراً. ويرى البنك أن الذهب سيستفيد من استمرار تنويع الاحتياطيات بعيداً عن الدولار، ومشتريات البنوك المركزية، إلى جانب تدفقات المستثمرين نحو الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب.
وكان «يو بي إس» قد اعتبر خلال يونيو، عندما هبط الذهب إلى أقل من 4,000 دولار، أن تلك المستويات توفر فرصة للمستثمرين الذين تقل حيازاتهم من المعدن عن المستويات التي يرغبون فيها لبناء مراكز تدريجية.
وعاد البنك في أغسطس ليؤكد توقعاته بوصول الذهب إلى 5,400 دولار خلال 12 شهراً، مشيراً إلى أن ضعف الدولار المحتمل وتراجع توقعات رفع الفائدة مستقبلاً واستمرار الطلب من البنوك المركزية عوامل يمكن أن تدفع الأسعار إلى الارتفاع.
وبالمقارنة مع سعر يدور حول 4,160 دولاراً حالياً، فإن الوصول إلى 5,400 دولار يعني ارتفاعاً يقارب 30%، إذا تحقق السيناريو الأساسي لـ«يو بي إس».
لكن البنك يشير في الوقت نفسه إلى أن ارتفاع عوائد السندات يشكل خطراً قصير الأجل، إذ يزيد تكلفة الاحتفاظ بالذهب مقارنة بالأصول التي توفر عائداً.