ألمانيا تستفيد من موجة الاضطراب كملاذ آمن للمستثمرين
المستثمرون يستعيدون ذكريات أزمة الديون الأوروبية قبل 15 عاماً

يترقب المتعاملون في أسواق المال مؤشرات على انتقال عدوى الاضطرابات إلى سوق السندات الحكومية الأوروبية، بعد موجة بيع أثارت ذكريات أزمة الديون التي ضربت المنطقة قبل 15 عاماً.
وتراجعت السندات الفرنسية إلى جانب سندات دول، مثل: إيطاليا، وبلجيكا، واليونان، في حين صمدت ألمانيا أمام الضغوط، مع توجه المستثمرين إلى ملاذها الآمن التقليدي.
وقد يدرس البنك المركزي الأوروبي الاستجابة لمؤشرات انتقال العدوى من خلال توجيه رسالة أكثر وضوحاً بأنه سيكون أكثر حذراً بشأن مواصلة رفع أسعار الفائدة، أو تعليق برنامج التشديد الكمي، وفق بلومبرغ.
وحتى الأسبوع الماضي، كانت السندات الحكومية لدول منطقة اليورو تتحرك إلى حد كبير في اتجاه واحد خلال معظم العام، نتيجة صدمة في أسعار الطاقة غذت المخاوف من التضخم، وأجبرت البنك المركزي الأوروبي على رفع أسعار الفائدة. وكانت فرنسا الأسوأ أداءً بوضوح، في ظل الخلافات بشأن الموازنة والانتخابات المثيرة للجدل، إلى جانب الضغوط العالمية.
لكن يوم الخميس، تغيّر المشهد، بحسب بلومبرغ إذ تراجعت السندات الفرنسية بشكل أكبر، إلى جانب سندات إيطاليا وبلجيكا واليونان، وسجلت فروق العائد تحركات من بين الأكبر منذ سنوات. وفي المقابل، صمدت ألمانيا، من بين الاقتصادات الكبرى، أمام موجة البيع، مع توجه المستثمرين إلى الملاذ الآمن التقليدي، وهو توجه ساعد أيضًا على تعافي سندات الخزانة الأمريكية التي كانت ضعيفة مؤخرًا.
ويؤدي انتقال الضغوط المالية من سوق سندات حكومية إلى أخرى، حتى عندما تكون هذه الضغوط أقل تبريرًا في بعض الأسواق، إلى تحركات سعرية حادة وفوضوية تثير قلق البنوك المركزية، وقد تدفعها إلى التدخل في الحالات الشديدة. وكان هذا النوع من العدوى سمة بارزة لأزمة ديون منطقة اليورو خلال عامي 2011 و2012.
وقال جيف مولر، الرئيس المشارك للدخل الثابت في «مورغان ستانلي إنفستمنت مانجمنت»: «بدأنا نرى المؤشرات الأولى على انتقال العدوى». وأضاف: «إذا استمرت التحركات السعرية غير المنتظمة التي شهدناها في الأول من أكتوبر لبعض الوقت، فقد تستقطب اهتمام صانعي السياسات».
ولا تقتصر فرنسا على هذه المشكلات داخل منطقة اليورو، إذ تعاني دول أخرى من مستويات اقتراض مرتفعة، وعجز كبير في الموازنات، ومعارضة سياسية قوية للإصلاحات الاقتصادية. كما تجعل أعباء الديون المرتفعة في دول مثل إيطاليا وبلجيكا اقتصاداتها أكثر عرضة للضغوط في بيئة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة.
ومع ذلك، لا تزال فروق العائد منخفضة نسبيًا في معظم أنحاء القارة، كما استقرت موجة البيع إلى حد كبير يوم الجمعة، مع تعافي السندات طويلة الأجل بشكل خاص. لكن سرعة التحركات، واتساع نطاقها، أبقيا المستثمرين في حالة ترقب، بحثًا عن مؤشرات جديدة على حدوث اضطرابات في الأسواق.
وقبيل عطلة نهاية الأسبوع، تركزت أحاديث السوق على استجابة محتملة من البنك المركزي الأوروبي.
أحد الخيارات المطروحة أمام مسؤولي البنك المركزي الأوروبي هو توجيه إشارة أقوى إلى أنهم سيكونون أكثر حذراً بشأن مواصلة رفع أسعار الفائدة. وبدأ المتعاملون بالفعل في تقليص رهاناتهم على المزيد من الزيادات، إذ تشير عقود المبادلة إلى توقع 3 زيادات في أسعار الفائدة بحلول نهاية العام المقبل، مقارنة بأربع زيادات كانت متوقعة في وقت سابق من الأسبوع.
وقال أنتوني أوبراين، رئيس إستراتيجية الأسواق في «ستاندرد لايف»: «قد تكون تقلبات السندات الحكومية الفرنسية عاملًا يحد من قدرة البنك المركزي الأوروبي على مواصلة رفع أسعار الفائدة، كما أنها تدعم عدم اتخاذ خطوة متتالية في وقت لاحق من هذا الشهر». وأضاف: «ارتفاع أسعار الفائدة يعني زيادة تكاليف خدمة الدين، وهو ما يزيد بدوره الضغوط المالية على فرنسا».
وإذا اشتدت مؤشرات انتقال العدوى، فقد يدرس البنك المركزي الأوروبي تعليق برنامج التشديد الكمي، الذي يوقف إعادة استثمار عائدات السندات التي تستحق ويملكها البنك، وفقًا لجيمي سيرل، محلل إستراتيجيات أسعار الفائدة لدى «سيتي غروب». ومن شأن ذلك أن يقلل فعليًا من المعروض من السندات التي يتعيّن على المستثمرين الذين يتأثرون بحركة الأسعار استيعابها.
تركز اهتمام الأسواق بدرجة كبيرة على أداة حماية انتقال السياسة النقدية التابعة للبنك المركزي الأوروبي، وهي برنامج غير محدود لشراء السندات أُنشئ، في العام 2022، بهدف «التصدي لديناميكيات السوق غير المبررة وغير المنظمة».
ولم تُستخدم الأداة حتى الآن، إلا أن وجودها يُنظر إليه باعتباره أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل اندلاع أزمة شاملة في سوق السندات أقل احتمالًا بكثير مقارنة بما كان عليه الوضع قبل 15 عاماً.
وفي حالة فرنسا، من شبه المؤكد أن تكون الاستفادة من أداة حماية انتقال السياسة النقدية بعيدة المنال، نظراً إلى أن مشكلاتها ترجع بدرجة كبيرة إلى عوامل داخلية. وحذّر محافظ بنك فرنسا، إيمانويل مولان، مواطني بلاده من توقع «حل سحري» من البنك المركزي الأوروبي.
في المقابل، يمكن استخدام الأداة إذا بدأت موجة البيع تبدو منفصلة بشكل متزايد عن العوامل الأساسية في أسواق أخرى.
وقال روهان خانا، رئيس إستراتيجية أسعار الفائدة باليورو لدى «باركليز»: «إذا أدت نتائج الانتخابات الفرنسية إلى انتقال العدوى إلى أسواق أخرى، فقد يدرس البنك المركزي الأوروبي دعم تلك الأسواق، لكن ليس السندات الحكومية الفرنسية». وأضاف: «لا توجد خيارات سهلة أمام البنك المركزي».
وعُزيت التقلبات الحادة التي شهدتها الأسواق خلال الأسبوع، جزئياً، إلى تنامي حضور صناديق التحوط في أسواق السندات الحكومية.
وعلى وجه الخصوص، ازدادت شعبية ما يعرف بصفقات «كاري تريد»، التي يستفيد فيها المستثمرون من العوائد المرتفعة المتاحة على السندات الإيطالية والإسبانية والفرنسية، لا سيما السندات قصيرة الأجل.
وعلى الرغم من أن هذه الصفقات يمكن أن تحقق أرباحاً عندما تكون التقلبات منخفضة، قال مراقبو السوق إن الاضطرابات التي شهدها، الأسبوع الماضي، أدت إلى تصفية واسعة لمراكز استثمارية ممولة بالاقتراض، ما فاقم موجة البيع.
وقالت ماريون لو مورديك، كبيرة مسؤولي الاستثمار العالميين للدخل الثابت في «فيديليتي إنترناشيونال»: «ثقوا بي، البنك المركزي الأوروبي يتابع الوضع عن كثب، ويتحدث باستمرار مع المشاركين في السوق، بما في ذلك صناديق التحوط».
وأضافت: «إنهم يريدون، حقاً، فهم ما يحدث، وهم مستعدون لفعل كل ما يلزم لتجنب أي اضطرابات كبيرة».