
أطلقت الصين واحدة من أوسع حملات الدعم لسوق الأسهم خلال السنوات الأخيرة، عبر تحرك منسق شمل الجهات التنظيمية والمستثمرين المدعومين من الدولة وشركات التأمين ومديري الأصول، وذلك بهدف احتواء موجة البيع التي ضربت أسهم التكنولوجيا، ومنع تحولها إلى أزمة ثقة أوسع في الأسواق المالية، بحسب وكالة «بلومبرغ».
وجاءت التحركات في ظل تزايد مخاوف المستثمرين من ارتفاع تقييمات أسهم شركات الرقائق الإلكترونية، إلى جانب انتقال جزء من السيولة نحو الاكتتاب المرتقب لشركة «سي إكس إم تي» المتخصصة في رقائق الذاكرة.
وترى «بلومبرغ» أن الحفاظ على قوة أسهم الذكاء الاصطناعي يمثل أيضاً وسيلة لدعم الشركات الصينية في جمع التمويل اللازم لمنافسة الشركات الأميركية على المدى الطويل.
وفي أحدث مؤشرات الدعم، استقطب صندوق «تشاينا إيه إم سي ستار 50» المتداول، أكبر صندوق يتتبع مؤشر «ستار 50» الذي يضم شركات الرقائق، تدفقات قياسية بلغت 13.8 مليار يوان (نحو ملياري دولار) يوم الاثنين.
ورغم عدم الكشف عن مصدر هذه التدفقات، رجح متعاملون أن تكون أموال مدعومة من الدولة جرى توجيهها إلى أسهم التكنولوجيا التي تعرضت لأكبر موجة بيع، وفقاً لـ«بلومبرغ».
وارتفع مؤشر «ستار 50» بنسبة 11% اليوم الثلاثاء، مسجلاً أكبر مكاسب يومية له في نحو عامين، بعدما كان قد فقد نحو 17% الأسبوع الماضي نتيجة التخارج السريع من المراكز الاستثمارية المعتمدة على الرافعة المالية، في أكبر موجة من نوعها منذ انهيار السوق بين عامي 2015 و2016.
وقال تشوانغ جيا بينغ، مدير الصناديق في شركة «شنتشن جيه إم كابيتال»، إن المستثمرين كانوا يبحثون عن أي إشارة تؤكد استمرار دعم الحكومة لقطاع الذكاء الاصطناعي، مضيفاً أن شراء الصندوق المتداول المرتبط بمؤشر ستار 50 بعث برسالة واضحة أعادت الثقة إلى الأسواق.
وامتد الدعم إلى قطاع التأمين في الصين، إذ أعلنت خمس شركات تأمين كبرى على الأقل خططاً لزيادة استثماراتها في الأسهم.
وأكدت شركة «تشاينا لايف» للتأمين أن إحدى وحداتها اشترت أسهماً وصناديق استثمارية بأكثر من 10 مليارات يوان، مع تعهدها بزيادة استثماراتها في الشركات العاملة بقطاعات النمو الجديدة، فيما أعلنت كل من مجموعة التأمين الشعبي الصينية ومجموعة «بينغ آن» للتأمين التزاماً مماثلاً.
وتشير هذه التحركات إلى أن السلطات الصينية تستخدم أدوات أوسع لدعم أسهم التكنولوجيا، بعدما امتدت التقلبات في أسهم شركات رقائق الذاكرة إلى بقية السوق، وهو ما دفع صناع السياسات إلى التدخل لحماية أحد أهم قطاعات النمو في ظل تباطؤ الاقتصاد.
وفي حال تأكدت عمليات الشراء الحكومية لصندوق «تشاينا إيه إم سي ستار 50» المتداول، فإنها ستمثل تحولاً مقارنة بعمليات الدعم السابقة التي كانت تركز على الأسهم القيادية، كما شهدت صناديق مؤشرات أخرى مفضلة لدى المستثمرين الحكوميين، مثل صندوق «هوا تاي - باين بريدج سي إس آي 300» المتداول، ارتفاعاً في أحجام التداول، رغم أن تدفقاته البالغة 12.6 مليار يوان جاءت أقل من صندوق «ستار 50».
كما سجلت مؤشرات الأسهم الصينية الأخرى مكاسب قوية، إذ ارتفع مؤشر «تشاي نكست» المتخصص في أسهم التكنولوجيا بنسبة 7.1%، بينما صعد مؤشر «سي إس آي 300» بنسبة 3.1%، وهو ما يظهر تحسن معنويات المستثمرين بدعم من التدخلات الحكومية.
ومن جانبها، أعلنت شركة «بوسيرا» لإدارة الصناديق، المدعومة من الدولة، استثمار 50 مليون يوان من أموالها الخاصة في صناديق الأسهم التي تديرها، وهي خطوة غالباً ما تُتخذ خلال فترات الضغوط الحادة على الأسواق، بحسب «بلومبرغ».
كما رفعت شركة الوساطة «جي إف سيكيوريتيز»، التي ترتبط تاريخياً بحكومات محلية، سقف التمويل بالهامش بمقدار 90 مليار يوان، بهدف توفير سيولة إضافية للمستثمرين مع استمرار عمليات خفض المراكز ذات الرافعة المالية.
وعقدت لجنة تنظيم الأوراق المالية الصينية اجتماعات مع المستثمرين لاستطلاع آرائهم بشأن سبل تعزيز استقرار أسواق المال، مؤكدة التزامها بالحد من المخاطر، وتعزيز حماية المستثمرين، وتحسين العوائد.
ويرى بعض المتعاملين أن التدخلات الحكومية قد تنجح في الحد من وتيرة الهبوط، لكنها لن تكون كافية وحدها لاستعادة ثقة المستثمرين. وقال وانغ تشو، مدير الصناديق في شركة «شنغهاي تشوه تشو» لإدارة الاستثمارات، إن الحل المستدام يكمن في عودة تقييمات الأسهم إلى مستويات أكثر واقعية.