الفيدرالي الأميركي يقلب معادلة الحرب
الأونصة تضعف مع ارتفاع الدولار والفائدة

انخفضت أسعار الذهب، خلال تعاملات اليوم الثلاثاء، أكثر من 1% إلى 4114.61 دولار للأونصة، حتى مع انخفاض أسعار النفط بشدة واقترابها من مستويات ما قبل حرب إيران، تزامناً مع تقدّم المفاوضات بين واشنطن وطهران.
ويعكس هذا الأداء أن الذهب لا يتحرك حالياً وفق منطق الجيوسياسة، بل وفق «معادلة الفائدة الحقيقية» التي يعيد مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» تسعيرها مع عودة التشدد النقدي.
ورغم مكانة الذهب كوسيلة تحوط ضد التضخم، فإنه يميل إلى فقدان جاذبيته عند ارتفاع أسعار الفائدة، إذ يصبح هذا الأصل غير المدر للعائد أقل جاذبية مقارنة بالاستثمارات التي تدر فائدة.
جاء تراجع المعدن النفيس اليوم مع تماسك الدولار وسط توقعات رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة هذا العام، وهي التوقعات التي عادت إلى الطاولة بعد خطاب رئيس البنك الجديد كيفن وارش الأسبوع الماضي.
ارتفع مؤشر الدولار خلال تعاملات اليوم مقابل سلة عملات فوق مستويات 101 نقطة، بعدما لامس أعلى مستوى له فيما يقرب من عام ونصف.
ويؤدي ارتفاع الدولار عادة إلى زيادة تكلفة شراء الذهب لحائزي العملات الأخرى، ما يضغط على الطلب الفعلي ويعمّق خسائر الأونصة حتى في بيئة مخاطر جيوسياسية منخفضة.
قال وارش خلال المؤتمر الصحفي عقب اتخاذ قرار الفائدة الأسبوع الماضي: «التضخم لا يزال أعلى من المستهدف منذ خمس سنوات، سنعمل على تصحيح ذلك، لأن الأسعار المرتفعة بشكل مستدام تشكل عبئاً على الشعب الأميركي».
عززت تصريحات المحافظ الجديد من توقعات رفع الفائدة، خاصة مع اختفاء أي عبارات تشير إلى التيسير النقدي من بيان لجنة السوق المفتوحة.
وتعزز هذه النبرة من تحول السوق نحو تسعير أكثر تشدداً للفائدة، ما يعني عملياً أن أي تراجع في توقعات التضخم لم يعد كافياً لدعم الذهب دون تحسن واضح في مسار السياسة النقدية.
ووفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي»، يرى المتعاملون الآن احتمالاً بنسبة 89% لرفع أسعار الفائدة في ديسمبر، مقابل 61% قبل اجتماع مجلس الاحتياطي الأسبوع الماضي.
بعد بداية خضراء، انخفض الذهب في المعاملات الفورية 1.8% إلى 4114.61 دولار للأونصة بحلول الساعة 05:30 بتوقيت غرينتش.
تراجعت العقود الآجلة الأميركية للذهب تسليم أغسطس 1.6%، أو 70 دولاراً، إلى مستويات 4132.2 دولار للأونصة.
وعند الافتتاح اليوم، ارتفعت العقود الآجلة الأميركية للذهب تسليم أغسطس 0.3% إلى 4216 دولاراً، واقتربت الأسعار الفورية من 4200 دولار.
وصعد الذهب أكثر من 1% عند نهاية تعاملات أمس، متعافياً من أدنى مستوى له منذ أكثر من أسبوع، إذ ساهم التقدم المحرز في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في الضغط على أسعار النفط، مما قلل بعض المخاوف المتعلقة بالتضخم.
رغم تراجع النفط الحاد واقترابه من مستويات ما قبل التصعيد، فإن تأثيره الإيجابي على الذهب ظل محدوداً، إذ إن انخفاض أسعار الطاقة يخفف مخاوف التضخم، وهو ما يقلل من جاذبية الذهب كتحوط.
وبذلك ينتقل السوق من “تسعير المخاطر الجيوسياسية” إلى تسعير السياسة النقدية، وهو ما يفسر انفصال حركة الذهب عن النفط الذي سقط قرب 77 دولاراً في هذه المرحلة.
رفعت الولايات المتحدة عقوبات مفروضة على إيران لمدة 60 يوماً اعتباراً من أمس الاثنين، بعد المحادثات الأولى في إطار اتفاق ناشئ لإنهاء الحرب، ما أدى إلى انحسار القتال في لبنان بموجب الاتفاق الذي يهدف إلى إنهاء الأعمال القتالية في أنحاء المنطقة.
وقال جيه.دي. فانس نائب الرئيس الأميركي إن المحادثات مع المسؤولين الإيرانيين في سويسرا أرست أساساً جيداً لاتفاق نهائي، على الرغم من نفي إيران أنها بدأت مناقشات بشأن برنامجها النووي.
سيدلي رئيس مجلس الاحتياطي، كيفن وارش، بشهادته الأولى بشأن السياسة النقدية للبنك المركزي أمام الكونغرس في 14 يوليو، وفقاً لإشعار جلسة استماع نشرته لجنة الخدمات المالية بمجلس النواب.
وقال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو أوستان جولسبي، إنه مع استقرار سوق العمل، فإنه يركز على تحديد ما إذا كان التضخم المرتفع للغاية سيستمر على هذا النحو أم أنه سيتراجع مع تلاشي تأثير الرسوم الجمركية المرتفعة وإذا تم حل الصراع في الشرق الأوسط.
في هذا السياق، تصبح أسعار النفط عاملاً ثانوياً مقارنة بمسار العوائد الحقيقية في الولايات المتحدة، حيث يبقى الذهب حساساً لأي إشارة تشديد إضافي من الفيدرالي أكثر من تأثره بتقلبات الإمدادات.
قال المحلل لدى «ساكسو بنك» أولي هانسن، في مذكرة للعملاء: «ستظل أسعار الطاقة محركاً رئيسياً على المدى القصير لقطاع المعادن النفيسة».
وأضاف هانسن: «نشهد استمرار المفاوضات المتعثرة في سويسرا بين الولايات المتحدة وإيران، والتي لا تزال تشير إلى التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يضيف براميل جديدة من النفط الخام إلى السوق، ما يضغط على أسعار النفط الخام ويساعد الذهب».
وبذلك، يبدو أن الذهب يدخل مرحلة فك ارتباط مؤقت مع الجيوسياسة، حيث لم تعد أسعار النفط وحدها كافية لتحريك الأونصة.
في المقابل، تبقى الفائدة الحقيقية في الولايات المتحدة هي المحرك الحاسم، ما يعني أن أي موجة صعود جديدة للذهب ستتطلب إما تراجعاً واضحاً في توقعات التشديد النقدي، أو عودة مفاجئة للتوترات الجيوسياسية.