السوق لا يزال متردداً بشأن علاوة الحرب
نقص المخزونات وعودة الإنتاج تربك الحسابات

تباطأت وتيرة تخلص الأسواق من علاوة الحرب، وهدأت تراجعات النفط اليوم الثلاثاء، بعد جولة جديدة من التراجعات العنيفة فقد فيها البرميل ما يقرب من 3 دولارات دفعة واحدة، مع تقدم مفاوضات السلام بين واشنطن وطهران.
يعكس هذا التحرك أن الأسواق تتعامل مع التطورات باعتبارها «تسعيراً مسبقاً للمخاطر» أكثر من كونها تغييراً هيكلياً في الإمدادات حتى الآن.
وانخفضت أسعار النفط في جلسة بدت متقلبة، إذ افتتحت التداولات على انتعاش محدود، بعد انخفاض حاد في الجلسة السابقة، في حين يترقب المستثمرون إشارات أوضح على إحراز تقدم بشأن استئناف تدفقات النفط الخام عبر مضيق هرمز.
انخفضت أسعار النفط بأكثر من 3% يوم الاثنين، مع تراجع المخاوف بشأن الإمدادات عقب تصريح جيه. دي. فانس، نائب الرئيس الأميركي، بأن المحادثات مع إيران أحرزت تقدماً وأن مضيق هرمز قد فُتح.
وتراجع خام برنت 2.67 دولار، أو 3.31%، ليسجل 77.90 دولاراً للبرميل عند التسوية، وكانت الأسعار قد ارتفعت في بداية التداولات إلى 82.30 دولاراً بسبب تهديدات من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعادة إشعال الحرب مع إيران، وإعلان طهران إغلاق المضيق مجدداً.
كما اختتم خام غرب تكساس الوسيط الأميركي تسليم يوليو تداولاته عند 74.82 دولاراً للبرميل، بانخفاض قدره 1.78 دولار أو 2.32%، وخسر عقد أغسطس الأكثر تداولاً 1.99 دولار ليسجل 73.86 دولاراً للبرميل عند التسوية.
رفعت الولايات المتحدة عقوبات كانت تفرضها على إيران لمدة 60 يوماً اعتباراً من يوم أمس الاثنين، وذلك بعد أول محادثات في إطار اتفاق إنهاء الحرب بين البلدين، في حين أفاد مسؤولون بهدوء الأوضاع في لبنان بموجب الاتفاق الذي يهدف إلى إنهاء الأعمال القتالية في أنحاء المنطقة.
وسمحت الولايات المتحدة يوم الاثنين ببيع النفط الإيراني، ما خفف العقوبات المفروضة منذ عشرات السنين، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى التوصل إلى اتفاق نهائي مع طهران مقابل التزامات تتعلق بعمليات التفتيش النووي وحرية المرور عبر مضيق هرمز.
كما بدأت حركة ناقلات النفط تتزايد عبر مضيق هرمز، وعادت أسعار النفط إلى التراجع بعد عطلة نهاية الأسبوع التي بدأ فيها اتفاق السلام مهدداً، بعد أن لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستئناف الحرب إذا أغلقت إيران الممر المائي.
كانت المفاوضات بين البلدين قد شهدت تعثراً عند بدايتها يوم الجمعة الماضي، مع إلغاء أول جولة للتفاوض وعودة تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تزامنت مع إعلان جديد من طهران إغلاق مضيق هرمز.
قال كبير محللي السوق في شركة «كيه.سي.إم تريد» تيم واترر: «لا تزال هناك جرعة سائدة من الشك في السوق، متجذرة في انعدام الثقة الشديدة بين واشنطن وطهران، ما يشير إلى أن أي عودة إلى أسعار النفط قبل الحرب من المرجح أن تتأخر لا أن تكون فورية».
وكتب ترامب في منشور على منصة «تروث سوشال» أمس: «إيران ستوافق على إجراء عمليات تفتيش للأسلحة لضمان الشفافية النووية»، وقال للصحفيين في مؤتمر: «إذا لم تلتزم إيران باتفاقها، أو إذا لم تتصرف بشكل لائق، فسأفعل ما يجب عليّ فعله».
وأضاف واترر في مذكرة للعملاء: «كان السوق أخذ في الحسبان التفاؤل بشأن خارطة الطريق وإمكانية إعادة فتح مضيق هرمز، لكن المتعاملين يتخذون الآن نهجاً أكثر حذراً في انتظار أدلة ملموسة على أن الاتفاق سيصمد وأن حركة المرور ستعود إلى طبيعتها».
وفي الوقت نفسه، ذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية لوكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) أن طهران لم تجر مفاوضات بشأن برنامجها النووي، ولم تقبل أي التزامات جديدة في محادثات أمس الأحد مع الولايات المتحدة في سويسرا.
قال المحلل في بنك «يو.بي.إس» جيوفاني ستونوفو: «إيران استأنفت صادراتها النفطية التي توقفت في وقت سابق من هذا الشهر بسبب الحصار البحري الأميركي، ويمثل إطلاق هذه البراميل إمدادات إضافية للسوق».
لكن هذا التعافي لا يزال جزئياً، إذ إن جزءاً من البراميل يعوّض اضطرابات سابقة أكثر مما يضيف إمدادات جديدة للسوق.
وأضاف ستونوفو: «لكن الحديث عن عودة الإمدادات إلى مستويات ما قبل الحرب هو أمر مبكر للغاية، خصوصاً أن السوق يواجه تحدياً آخر وهو عودة إنتاج مصافي النفط التي تضررت في المنطقة إلى مستوياتها السابقة».
ووفقاً لمبادرة البيانات المشتركة (جودي)، انخفضت صادرات النفط الخام من السعودية في أبريل للشهر الثاني على التوالي، لتصل إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 3.99 مليون برميل يومياً، مقابل 4.974 مليون برميل يومياً في مارس.
وأعلن نائب وزير النفط العراقي لشؤون التنقيب والإنتاج أن العراق يعتزم استئناف إنتاج النفط الخام تدريجياً ليصل إلى ما بين 4.2 و4.3 مليون برميل يومياً.
يتوقع المحللون في بنك «إيه.إن.زد» استئناف إنتاج ما بين مليوني وثلاثة ملايين برميل يومياً خلال الأسابيع الأربعة الأولى.
وأوضح البنك أن عملية التعافي ستظل صعبة، إذ من المحتمل استئناف ضخ ما بين مليوني و3.5 مليون برميل أخرى خلال الربع الثالث من عام 2026، وذلك شريطة استقرار الأوضاع، بينما قد يُفقد ما بين مليون ومليوني برميل يومياً من الإمدادات بشكل دائم أو شبه دائم.
وأضاف محللو «إيه.إن.زد» في مذكرة: «ستعتمد المكاسب الأولية على الخدمات اللوجستية (الشحن) أكثر من الإنتاج».
كما تابعوا: «أما المكاسب اللاحقة فستعتمد على تعافي قطاع التنقيب والإنتاج والمصافي، ومن غير المرجح استئناف الإنتاج بالكامل هذا العام».
يبدو أن التعافي من أكبر أزمة نفط في العالم، كما وصفته وكالة الطاقة الدولية، لن يكون سهلاً، إذ يشير محللو بنك «يو.بي.إس» إلى أن نقص المخزونات إلى مستويات تاريخية سيعمل على زيادة الطلب على النفط الخام عقب انتهاء الأزمة لإعادة ملء الخزانات.
وأطلقت وكالة الطاقة الدولية مع واشنطن أكبر حملة للإفراج عن الخزانات في التاريخ، بواقع أكثر من 400 مليون برميل، لمواجهة ارتفاع الأسعار الحاد.
إلا أن هذه السيولة في الإمدادات قد لا تكون كافية سريعاً لإعادة بناء المخزونات، ما يبقي الأسعار حساسة لأي صدمة جديدة في جانب العرض.
أظهرت بيانات وزارة الطاقة الأميركية أن مخزونات النفط الخام في الاحتياطي الاستراتيجي انخفضت الأسبوع الماضي إلى 331.2 مليون برميل، وهو أدنى مستوى لها منذ يونيو 1983، مع تقلص الإمدادات في أعقاب اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
وانخفضت مخزونات النفط الخام في الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي بمقدار 9.05 مليون برميل الأسبوع الماضي، وهو ثالث أكبر انخفاض مسجل، ويأتي هذا الانخفاض في إطار اتفاق أميركي لسحب 172 مليون برميل من الاحتياطي للمساعدة في خفض أسعار الوقود.
مع ذلك، فإن اختفاء علاوة الحرب بالكامل يبقى مرهوناً بثلاثة عوامل رئيسية: استقرار اتفاق إيران، عودة الملاحة في مضيق هرمز، وتعافي التأمين البحري، وهو ما قد يستغرق من أسابيع إلى أشهر قبل أن ينعكس بشكل كامل على تسعير النفط.