السندات تفقد بريقها وسط تصاعد الأزمات العالمية

في عالم يشهد تصاعد الحروب والنزاعات الجيوسياسية، واشتداد التوترات التجارية، وتزايد الكوارث المناخية، يواجه المستثمرون تحدياً متنامياً يتمثل في تراجع فعالية الأدوات التقليدية لحماية المحافظ الاستثمارية، وعلى رأسها السندات الحكومية، ما يدفع خبراء إلى إعادة النظر في استراتيجيات الاستثمار.
ويرى محللون أن عودة المنافسة بين القوى الكبرى، إلى جانب تراجع الدور الأميركي كضامن للاستقرار العالمي، فضلاً عن تكرار الظواهر المناخية المتطرفة الناتجة عن تغير المناخ، كلها عوامل تجعل الاقتصاد العالمي أكثر عرضة لصدمات متكررة وأشد تأثيراً من السابق، وفق صحيفة وول ستريت جورنال.
ويضاف إلى ذلك تصاعد النزعات الحمائية والخلافات التجارية بين الدول، الأمر الذي يزيد من حالة عدم اليقين أمام المستثمرين وصناع السياسات.
أظهرت الحرب المتقطعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران نموذجاً لهذه التحديات؛ فكلما تصاعدت المواجهات، تراجعت أسعار الأسهم والسندات، وحتى الذهب، الذي لطالما اعتُبر ملاذاً آمناً.
وفي هذا السياق، توصل رافائيل أرندت، الرئيس التنفيذي لصندوق «فيوتشر فاند» الأسترالي، وهو صندوق الثروة السيادي لأستراليا، إلى نتيجة قد تبدو مفاجئة، وهي زيادة الاستثمار في الأسهم بدلاً من تقليصه.
وأوضح أن جائحة «كوفيد-19» كشفت عودة العوامل الجيوسياسية إلى الواجهة، واتساع دور الحكومات، وتصاعد النزعات الشعبوية، وهو ما جعل الأساليب التقليدية في إدارة المحافظ الاستثمارية أقل فاعلية.
وقال: «كان علينا إعادة بناء فلسفة الاستثمار من الصفر»، مضيفاً أن المراجعة الشاملة لاستراتيجية الصندوق خلصت إلى ضرورة زيادة حصة الأسهم، لأنها توفر عوائد أعلى تساعد على تعويض المخاطر المتزايدة.
في السابق، كانت السندات الحكومية تمثل صمام أمان للمستثمرين، إذ كانت أسعارها ترتفع عندما يتعرض الاقتصاد لصدمات، بينما تنخفض عوائدها.
لكن في ظل الصدمات الحالية التي تغذي التضخم، أصبحت الصورة مختلفة؛ إذ تتراجع أسعار السندات وترتفع عوائدها في أوقات الأزمات، خصوصاً مع وصول مستويات الدين الحكومي في كثير من الدول إلى مستويات مرتفعة.
وأشار أرندت إلى أن تنويع الاستثمارات أصبح أكثر صعوبة، لأن السندات لم تعد توفر الحماية التي كانت تقدمها سابقاً، لافتاً إلى أن الصندوق لجأ أيضاً إلى الاستثمار في الذهب، رغم أنه لم يؤدِ الدور الدفاعي المتوقع خلال التوترات الأخيرة مع إيران، بالإضافة إلى استخدام صناديق التحوط القادرة على تحقيق عوائد في الأسواق الصاعدة والهابطة.
يرى عدد متزايد من مديري الأصول أن المستثمرين باتوا بحاجة إلى عوائد أعلى على السندات لتعويض تقلبات التضخم، إضافة إلى تراجع قدرتها على حماية المحافظ الاستثمارية.
وقال رامان سريفاستافا، الرئيس التنفيذي لشركة «إنسايت» التابعة لمجموعة «بنك أوف نيويورك ميلون»، إن أكبر خطر يتمثل في خروج التضخم عن السيطرة، كما حدث خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
وأوضح أنه يفضل الاستثمار في سندات البنية التحتية المرتبطة بالتضخم، وتقليل حيازة السندات طويلة الأجل لتفادي التقلبات، مع تبني إدارة أكثر نشاطاً للمحافظ الاستثمارية.
ورغم وضوح التوترات الجيوسياسية، فإن الأسواق غالباً لا تعكس هذه المخاطر في الأسعار إلا بعد وقوع الأحداث.
وقال مايك بيل، رئيس استراتيجية الأسواق في شركة «آر بي سي بلو باي» لإدارة الأصول، إن المستثمرين لا يمنحون المخاطر الجيوسياسية وزنها الحقيقي قبل أن تتحول إلى واقع.
أشار إلى أن حشد روسيا قواتها على الحدود الأوكرانية قبل عام 2022 كان معروفاً على نطاق واسع، كما حذرت أجهزة الاستخبارات الغربية من نيات موسكو، إلا أن الأسواق لم تستوعب حجم المخاطر بالكامل إلا بعد اندلاع الحرب، عندما قفزت أسعار النفط بنحو 30% خلال أيام، ودخلت الأسهم الأميركية في موجة هبوط حادة مع تصاعد التضخم.
وأضاف أن المستثمرين تعاملوا أيضاً بهدوء مع الحشد العسكري الأميركي قرب إيران قبل تنفيذ الضربات، مؤكداً أن متابعة التحركات العسكرية أصبحت عنصراً مهماً في اتخاذ القرارات الاستثمارية، مع ضرورة الاستعداد للتحرك السريع بيعاً وشراءً عند تغير الظروف.
ويرى بيل أن المستثمرين الذين يعتمدون استراتيجية الاحتفاظ بالأصول لفترات طويلة عليهم تقبل أن الأسواق ستكون أكثر تقلباً خلال السنوات المقبلة مقارنة بالعقود السابقة.
وفي المقابل، لا تزال السندات الحكومية قادرة على توفير بعض الحماية في حال تعرض أسهم شركات الذكاء الاصطناعي لتراجع كبير، لأن مثل هذه الصدمة قد تؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد وانخفاض التضخم، وهو ما يعيد جاذبية السندات الأميركية.
ومع ذلك، يخلص الخبراء إلى أن عالماً تهيمن عليه الحروب، والنزاعات التجارية، واضطرابات المناخ، يتطلب عوائد أعلى على السندات، لأنها لم تعد توفر مستوى الحماية الذي اعتاد عليه المستثمرون في الماضي.