
عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجدداً إلى التلويح بالرسوم الجمركية. وهذه المرة، يهدد بفرض رسوم بنسبة 10%، ترتفع تدريجياً إلى 25%، على ثماني دول أوروبية (من بينها المملكة المتحدة)، على خلفية إرسالها عدداً محدوداً من الجنود إلى غرينلاند للمشاركة في مناورات تدريبية. ترامب يريد شراء غرينلاند، وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق، يُفترض أن تدخل الرسوم حيز التنفيذ مع بداية الشهر المقبل.
وصحيح أن اختصار «تاكو» ــ أي «ترامب يتراجع دائماً» ــ ليس مضموناً في كل الحالات، لكن الواقع أن تهديداته غالباً ما تكون أشد من أفعاله. والولايات المتحدة لديها بالفعل وجود عسكري كبير هناك، ما يجعل التوصل إلى صيغة مقبولة للطرفين أمراً ممكناً من حيث المبدأ.
لكن، وبغض النظر عن المآلات، فإن هذا التطور، من منظور المستثمرين، يصبّ في صالح الاتجاهات القائمة أصلاً. فلا حاجة إلى اندلاع حرب ساخنة بين الولايات المتحدة وأوروبا بسبب غرينلاند؛ فهذه الدرجة من التصعيد كافية لتقويض الافتراضات الجيوسياسية المريحة التي لا يزال بعضهم متمسكاً بها. (وقد كتب أدريان وولدريدج مقالاً جيداً في هذا الشأن يستحق القراءة).
ومهما تكن النتيجة، فإن ما يجري يوضح، بجلاء لا لبس فيه، أن الولايات المتحدة باتت حليفاً غير موثوق. وهذا بدوره يدعم اتجاهين استثماريين محددين، شهدا بالفعل أداءً قوياً خلال الفترة الماضية.
أولاً، على صعيد النظام النقدي العالمي، سبق للولايات المتحدة أن استخدمت الدولار كسلاح ضد خصومها، ما دفع الصين ودولاً أخرى إلى تعزيز احتياطيات مصارفها المركزية بالذهب. ومن المنطقي الآن افتراض أن واشنطن قد لا تتردد في اعتماد الأسلوب نفسه حتى مع حلفائها.
وليس ذلك فحسب، بل قد يختار الحلفاء الرد بالمثل. فأوروبا، مجتمعة، تمثل سوقاً استهلاكية أكبر ومشترياً أكثر أهمية لسندات الخزانة الأميركية مقارنة بدول مثل روسيا. ويزداد المشهد تعقيداً إذا ما أخذنا في الاعتبار التداعيات المحتملة على الاستقرار العالمي في حال تدهورت العلاقات الأميركية ــ الأوروبية إلى حد انهيار حلف شمال الأطلسي صراحة.
لذلك، ليس من المستغرب أن يضيف هذا الخلاف زخماً إلى الحجة المؤيدة للذهب كأصل احتياطي. فـ«الأهمية النقدية» للذهب تواصل الارتفاع. ونتيجة لذلك، قفزت أسعار الذهب والفضة هذا الصباح إلى مستويات قياسية جديدة.
ثانياً، يتعزز أيضاً المسار الصاعد لأسهم شركات الدفاع. فإذا استمرت الولايات المتحدة في هذا السلوك المتقلب، فسيكون من الإهمال الصريح لأي سياسي أوروبي أن يتجاهل ضرورة تعزيز القدرات العسكرية الوطنية وعدم زيادة الإنفاق الدفاعي.
وقد شهدت العديد من أسهم شركات الدفاع الأوروبية مكاسب حادة خلال العام الماضي، مع تضاعف أسعار بعضها على الأقل، في ظل إعادة تقييم شاملة للأمن القومي الأوروبي.
المسألة الشائكة هنا أن هذين الاتجاهين حققا بالفعل مكاسب لافتة. أما المعادن النفيسة، فتكفي الإشارة إلى أن سعر الفضة ارتفع بنحو ثلاثين في المئة منذ بداية العام، أي ما يقارب الثلث خلال أقل من ثلاثة أسابيع، وهو ما قد يثير القلق حتى لدى أكثر المستثمرين تفاؤلاً.
لويس ــ فنسنت غاف، من مجموعة الأبحاث «غافكال»، أشار في مذكرة حديثة إلى أن العوامل الأساسية، وتدفقات الاستثمارات في الغرب، إضافة إلى الزخم السعري، لا تزال داعمة، في حين تبدو التقييمات المرتفعة هي نقطة الضعف الرئيسية.
ومع ذلك، تبقى الحجة الداعمة للذهب قوية في عالم تتراجع فيه الثقة بسندات الخزانة الأميركية، وتزداد الحاجة إلى أصل احتياطي محايد سياسياً. كما أن تفكك سلاسل الإمداد الموثوقة يعزز الطلب الهيكلي على المعادن عموماً، تماماً كما يدعم الطلب المتزايد على القدرات الدفاعية.
وفي حين أن الأسواق الصاعدة لا تدوم إلى الأبد، ويظل ضبط توزيع الأصول وجني الأرباح أمراً ضرورياً، فإن الزخم الحالي والعوامل الأساسية لا توحي، حتى الآن، بانعطاف وشيك في المسار.