
ارتفعت عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل حول العالم إلى مستويات هي الأعلى منذ سنوات، في ظل موجة بيع واسعة في أسواق الديون، مع تزايد مخاوف المستثمرين بشأن التضخم والإنفاق الحكومي والاضطرابات الجيوسياسية التي قد تزيد الضغوط على الاقتصادات العالمية.
وصعد عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى 5.33% الثلاثاء، وهو أعلى مستوى له منذ منتصف 2007، بعدما ارتفع بنحو 40 نقطة أساس منذ نهاية يونيو. كما سجلت عوائد السندات الفرنسية لأجل 30 عاماً أعلى مستوياتها منذ 2008، فيما اقتربت العوائد المماثلة في بريطانيا من 6%، بينما بلغت العوائد اليابانية طويلة الأجل مستويات تقترب من أعلى مستوياتها على الإطلاق.
ويعكس هذا الارتفاع اتجاهاً عالمياً، رغم اختلاف العوامل المحلية من سوق إلى أخرى، إذ يطالب المستثمرون بعوائد أعلى لتعويضهم عن مخاطر الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل لعقود.
وقال جاستن أونيوكوسي، من «سانت جيمسز بليس» لوكالة «بلومبرغ» إن الأسواق تتوقع «تضخماً أكبر أو على الأقل مزيداً من عدم اليقين في المستقبل»، وهو ما يدفع المستثمرين إلى طلب عوائد أعلى على السندات طويلة الأجل.
وتتركز المخاوف بشكل خاص على الوضع المالي للحكومات، في وقت تواجه فيه الدول الكبرى عجزاً متزايداً واحتياجات تمويلية أكبر. كما يخشى المستثمرون من أن تؤدي التوترات الجيوسياسية المستمرة إلى زيادة اضطرابات سلاسل الإمداد وتعزيز الضغوط التضخمية.
وتدفع هذه المخاوف الحكومات إلى تقليص اعتمادها على السندات طويلة الأجل والتحول نحو آجال استحقاق أقصر. وفي بريطانيا، أوقفت السلطات معظم مبيعات السندات طويلة الأجل المقررة، في محاولة لتقليل تكلفة الاقتراض ومواجهة ضعف الطلب.
وقال سكايـلار مونتغومري كونينغ، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي، إن أحد الفروق المهمة في المرحلة الحالية يتمثل في أن ارتفاع العجز الحكومي يجري تمويله في وقت تكون فيه أسعار الفائدة مرتفعة بالفعل، ما يدفع عوائد السندات إلى مزيد من الارتفاع.
يمثل ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية تحدياً إضافياً للرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الخزانة سكوت بيسنت، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
ويؤدي ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي إلى زيادة تكاليف التمويل للشركات والمستهلكين، بما في ذلك القروض العقارية والاستهلاكية.
وقال كريس إيغو، كبير مسؤولي الاستثمار لدى «أكسا آي إم كور» التابعة لـ«بي إن بي باريبا لإدارة الأصول»، إن من الصعب تحديد مستوى العائد الذي يجعل توقعات العائد الإجمالي على السندات طويلة الأجل أكثر جاذبية.
وأضاف أن التحول قد يحدث في حال شهدت البيانات الاقتصادية تراجعاً مفاجئاً أو تعرض الاقتصاد لصدمة خارجية، مشيراً إلى أن الاحتمال الثاني يبدو أكثر ترجيحاً.
وارتفع متوسط عائد محفظة مرجعية من السندات الحكومية ذات التصنيف الاستثماري إلى نحو 4.5%، وهو أعلى مستوى في البيانات التي تعود إلى 2015.
وتعرضت أسواق الديون العالمية لضغوط إضافية هذا العام بفعل ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط، ما عزز رهانات المستثمرين على تشديد السياسة النقدية من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى.
ومن شأن ارتفاع أسعار الفائدة أن يزيد الضغوط على المالية العامة في الاقتصادات الكبرى. وفي الولايات المتحدة، أصبحت مدفوعات الفائدة على الدين العام أحد العوامل الرئيسية وراء اتساع عجز الموازنة، إذ بلغت 1.17 تريليون دولار منذ بداية السنة المالية، بزيادة 15%، مدفوعة جزئياً بارتفاع عوائد سندات الخزانة.
ولا تقتصر الضغوط على العوامل المالية والتضخمية، إذ تواجه السندات الحكومية طويلة الأجل منافسة متزايدة من الشركات التي تكثف إصدارات الديون لتمويل استثماراتها.
وشهدت سوق السندات الأميركية وتيرة قياسية من الإصدارات، خصوصاً من شركات التكنولوجيا التي تحتاج إلى تمويل استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى زيادة المعروض من الديون طويلة الأجل.
كما بدأت الشركات الأميركية في اللجوء بشكل متزايد إلى أسواق السندات الخارجية، ومن بينها «ألفابت»، التي طرحت أول إصدار لها من الديون المقومة بالدولار الأسترالي بقيمة 5 مليارات دولار أسترالي، أي نحو 3.6 مليار دولار أميركي.
ويتزامن ذلك مع تغير قاعدة المستثمرين في أسواق السندات. فصناديق التقاعد، التي كانت من أهم المشترين التقليديين للسندات طويلة الأجل بهدف مطابقة أصولها مع التزاماتها، تتجه تدريجياً بعيداً عن أنظمة المعاشات محددة المنافع، في حين تشجع بعض القواعد التنظيمية الصناديق على زيادة استثماراتها في الأسهم.