
بعد أشهر من الارتفاعات المتواصلة التي قادتها شركات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، أطلق «بنك أوف أميركا» تحذيراً لافتاً للمستثمرين، داعياً إلى التفكير في جني جزء من الأرباح المحققة خلال الفترة الماضية.
وفي مذكرة حملت عنوان «عدد كبير جداً من الإشارات الحمراء»، أشارت كبيرة استراتيجيي الأسهم الأميركية في البنك، سافيتا سوبرامانيان، إلى أن السوق بدأت تُظهر أنماطاً مشابهة لفترات شهدت تصحيحات حادة في الماضي، خصوصاً مع الارتفاعات القياسية التي حققتها شركات التكنولوجيا الكبرى.
أحد أبرز المؤشرات التي أثارت قلق البنك يتمثل في التفاوت الكبير بين أداء أسهم التكنولوجيا نفسها. فالفجوة بين أفضل الأسهم أداءً وأسوأها داخل القطاع بلغت نحو 120 نقطة مئوية، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ شباط 2000، أي قبل انفجار فقاعة الإنترنت المعروفة باسم «الدوت كوم».
ويرى المحللون أن هذا النوع من التباين يعكس تركّز السيولة والاستثمارات في عدد محدود من الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بينما تتراجع أو تتباطأ شركات أخرى داخل القطاع نفسه، وهو نمط غالباً ما يسبق فترات إعادة تقييم واسعة للأسواق.
رغم التحذيرات، لا يزال الذكاء الاصطناعي المحرك الأساسي للأسواق العالمية. فقد ساهمت الأخبار المتعلقة بالاكتتابات المرتقبة لشركات كبرى مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، إضافة إلى الطرح العام لشركة «سبيس إكس»، في تجدد شهية المستثمرين تجاه أسهم التكنولوجيا خلال الأيام الأخيرة.
كما يواصل المستثمرون ضخ الأموال في الشركات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مثل شركات الرقائق والخوادم ومراكز البيانات، مدفوعين بتوقعات إنفاق غير مسبوقة من قبل شركات التكنولوجيا الكبرى.
بحسب «بنك أوف أميركا»، فإن نحو 70% من المؤشرات التاريخية التي تسبق عادة الأسواق الهابطة أو فترات التصحيح الكبرى قد ظهرت بالفعل. وتشمل هذه المؤشرات ارتفاع مضاعفات الربحية، والتفاؤل المفرط بشأن النمو المستقبلي، والاعتماد المتزايد على عدد محدود من الأسهم العملاقة لدفع المؤشرات إلى مستويات قياسية.
ويؤكد البنك أن المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في التوقعات المبالغ فيها التي يتم تسعيرها حالياً داخل بعض الأسهم، حيث أصبح المستثمرون يفترضون نجاحاً شبه كامل للمشروعات المستقبلية، وهو ما يرفع احتمالات خيبة الأمل إذا جاءت النتائج أقل من المتوقع.
رغم لهجته الحذرة، لا يدعو «بنك أوف أميركا» إلى الخروج الكامل من السوق. بل يشجع المستثمرين على التحول نحو ما يسميه «مستفيدي الإنفاق الرأسمالي»، أي الشركات التي تبيع المعدات والبنية التحتية اللازمة لبناء منظومة الذكاء الاصطناعي.
ويشمل ذلك شركات أشباه الموصلات، ومصنعي الخوادم، وموردي الشبكات، ومزودي البنية التحتية الرقمية، وهي الشركات التي تستفيد مباشرة من الإنفاق الضخم الذي تقوم به شركات التكنولوجيا العملاقة على مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية.
في المقابل، يرى البنك أن بعض الشركات العملاقة التي تنفق مئات المليارات على الذكاء الاصطناعي قد تواجه ضغوطاً أكبر إذا لم تتمكن من تحقيق عوائد سريعة تبرر هذه الاستثمارات الضخمة.
لا يجزم محللو بـ«بنك أوف أميركا» بأن السوق تتجه نحو انهيار شبيه بما حدث عام 2000، لكنهم يرون أن بعض التشابهات أصبحت واضحة. فالأسواق تشهد تدفقات استثمارية ضخمة، وتقييمات مرتفعة، وتركيزاً شديداً على عدد محدود من الشركات التي يُنظر إليها باعتبارها الرابح الأكبر من ثورة الذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت نفسه، لا تزال هناك مؤسسات مالية أخرى أكثر تفاؤلاً، وتعتقد أن موجة الذكاء الاصطناعي لم تصل بعد إلى ذروتها وأن السوق قادرة على مواصلة الصعود بعد أي تصحيحات قصيرة الأجل.
تكشف رؤية «بنك أوف أميركا» عن حالة الانقسام الحالية في وول ستريت. فمن جهة، تستمر ثورة الذكاء الاصطناعي في جذب استثمارات بمئات المليارات من الدولارات وتغيير خريطة الاقتصاد العالمي. ومن جهة أخرى، تزداد المخاوف من أن تكون بعض الأسهم قد سبقت الواقع بكثير في تسعير توقعات النمو المستقبلية.
لذلك، فإن الرسالة الأساسية للبنك لا تتمثل في التشكيك بمستقبل الذكاء الاصطناعي، بل في التحذير من الإفراط في التفاؤل. فالتكنولوجيا قد تواصل النمو لسنوات طويلة، لكن أسعار الأسهم لا ترتفع دائماً بالوتيرة نفسها، خصوصاً عندما تصبح التوقعات أعلى من قدرة الشركات على تحقيقها.