
في خطوة تعكس تسارع الخطى نحو كسر العزلة الدولية واستعادة الممرات الاستراتيجية، يشهد المجال الجوي السوري تحولاً متسارعاً تقوده قفزات غير مسبوقة في حركة العبور الجوي. وجاء إطلاق الممر الجوي الجديد «L602» في شرق البلاد، وتحديداً قرب دير الزور، بمثابة شريان حياة اقتصادي وسياسي جديد، بعد سنوات من التراجع الحاد الذي عانت منه الملاحة الجوية في البلاد.
ويرى خبراء اقتصاد ومسؤولون أن هذا المسار لا يمثل مجرد إنجاز تقني على الخرائط، بل فرصة ذهبية لتعزيز الإيرادات المباشرة، وتسريع الاندماج الدولي لسوريا كمركز إقليمي حيوي يربط بين دول الخليج العربي والقارة الأوروبية.
وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية، الجمعة الماضي، بأن الطريق الجوي L602، المعتمد عبر شرق سوريا قرب دير الزور، سجل 2188 حركة عبور حتى مساء 18 سبتمبر بعد وقت قصير من انطلاقه بالشهر ذاته، وذلك بعد أشهر من الدراسات الفنية والمحاكاة والتنسيق مع الدول المجاورة والمنظمات ذات الصلة، ضمن مشروع تطوير شبكة الطرق الجوية السورية، بحسب تصريحات لرئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري.
وقال الحصري إن الطريق يوفر مسارات أكثر كفاءة ومباشرة لحركة الطيران بين دول الخليج وأوروبا، ويعزز انسيابية الحركة الجوية وسلامتها.
وأعلنت الهيئة في 30 سبتمبر بدء استلام طلبات جديدة من نواقل جوية دولية من عدة دول آسيوية لاستخدام الأجواء السورية، بالتوازي مع الطلب المتزايد من النواقل الخليجية والإقليمية، وقبلها بنحو أسبوع استكملت الهيئة في 24 سبتمبر اختبار منظومات الملاحة الجوية الحديثة في مطاري دمشق وحلب الدوليين.
وتظهر بيانات الهيئة العامة للطيران المدني والنقل ارتفاعاً عاماً في حركة العبور عبر الأجواء السورية، إذ سجلت 11.801 رحلة خلال مايو الماضي، مقارنة بـ4267 رحلة في فبراير (بزيادة بلغت 378% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي)، بحسب الوكالة.
قال الخبير السوري في الحوكمة، زيدون الزعبي، في حديث لـ«إرم بزنس»، إن المسار الجوي الجديد l602 يحمل فائدة لحركة العبور في الأجواء السورية وهذا تبرزه الأرقام الرسمية، بخلاف العوائد والاندماج الدولي المتزايد، معتقداً أنه سيشكل داعماً جديداً لهيئة الطيران بالبلاد.
ويحذر الزعبي، من التحديات المصاحبة لتلك الفائدة في ظل منطقة غير مستقرة إثر النزاعات، موضحاً أنها قد تؤثر على الأرقام ووتيرة الاندماج وقيمة العوائد.
ورغم تلك التحديات، يعتقد الخبير في الحوكمة، زيدون الزعبي، أن الاستثمارات الدولية والعربية وخاصة الخليجية عينها على سوريا ودعمها لتكون ممراً آمناً للعبور بالمنطقة.
وشدد على أنه في ظل حالة عدم اليقين بالمنطقة من المهم الاستمرار في هذا المسار الجوي وتطوير غيره مع التأكيد على أنه من المبكر الوصول لنتائج نهائية في هذا المشهد الحالي بالمنطقة وارتفاع أسعار الطاقة.
وبحسب ما ذكره الحصري لقناة الإخبارية السورية الرسمية في 21 سبتمبر الماضي، فإن الأهمية الاقتصادية للطريق الجوي L602 لا تقتصر على الإيرادات المباشرة، وإنما تكمن في استعادة حصة سوريا من حركة العبور الإقليمية، وتعزيز الموارد اللازمة لتطوير خدمات الملاحة الجوية والبنية التحتية والتجهيزات، ورفع كفاءة المجال الجوي.
ولفت إلى أن التقديرات التشغيلية الأولية للهيئة العامة للطيران المدني تشير إلى إمكانية وصول الحركة على هذا المسار إلى نحو 200 رحلة يومياً مع تطور الطلب واستكمال التنسيق مع شركات الطيران.
وأضاف أن الحركة على المسار قد تمثل مستقبلاً نحو 25% من إجمالي حركة العبور المستهدفة عبر الأجواء السورية، مؤكداً أن هذه الأرقام تبقى تقديرات مستهدفة ترتبط بتطور الحركة الجوية والظروف التشغيلية والإقليمية.
وأكد الحصري وجود اهتمام من عدد من شركات الطيران الإقليمية الكبرى بالاستفادة من المسار الجوي L602، نظراً لأهميته التشغيلية ضمن شبكة الربط بين الخليج وأوروبا.
ويرى أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق عبد القادر عزوز، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن المسار الجوي L602 يعيد الحيوية لحركة العبور عبر الأجواء السورية، خاصة وأن المجال الجوي السوري الذي كان من أحد أهم الجسور الجوية التي تربط أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا تحول إلى نقطة عمياء على خرائط الطيران العالمية مع الحرب.
وشدد على أن ذلك المسار ليس فقط خطوة تقنية على الخرائط الجوية بل أصبح فرصة اقتصادية وسياسية واستراتيجية واضحة، تعزز فرص انفتاح سوريا على محيطها الإقليمي والعالمي، لافتاً إلى أن استخدام هذا المسار الدولي ليس قراراً منفصلاً عن السياق الواسع اليوم مع الانفتاح الذي تعيشه سوريا على المجتمع الدولي وعودتها إلى أن تكون مركزاً إقليمياً حيوياً وهاماً.
ويتوقع عزوز أن يوفر هذا المسار عوائد مالية مباشرة وسريعة، خاصة وأن رسوم عبور المجال الجوي تعتبر منجماً اقتصادياً، مؤكداً على أن جغرافيا سوريا تمنح ميزة تنافسية جغرافية ستدر إيرادات أكبر.
وشدد على أن تلك الحيوية تستوجب تحديث خطط المسارات الجوية، وتأهيل أنظمة الرادار والاتصالات والملاحة، وإعادة تدريب مراقبي الحركة الجوية، وتجديد التنسيق والعمل مع المنظمات الدولية المعنية في مجال الطيران في ظل تحديث مستمر لثلاثية هامة أبرزها الأسطول الجوي، الذي تعمل عليه حالياً الحكومة السورية، بجانب إعادة تأهيل المطارات، مع المجال الجوي.
وتجاوز عدد الطائرات العابرة للمجال الجوي السوري حاجز 11,800 إلى 15,000 طائرة شهرياً، وسجل شهر يونيو 2026 نحو 15,620 طائرة، وارتفع عدد الطائرات التي عبرت الأجواء السورية في يوليو الماضي إلى 20315 طائرة، وهو رقم غير مسبوق في السماء السورية، وحققت سوريا إيرادات من ذلك بلغت 10.1 مليون دولار، بحسب تقديرات غير رسمية.
وسجل مطارا دمشق وحلب في عام 2025 أكثر من 1.6 مليون مسافر، بزيادة تقارب 300% مقارنة بعام 2024، ومع حلول مايو 2026 كان عدد شركات الطيران العاملة في مطاري دمشق وحلب قد وصل إلى 12 شركة على الأقل.
وخلال النصف الأول من عام 2026، وصل عدد زوار سوريا إلى 3.52 مليون مسافر، في مقابل 1.67 مليون في الفترة نفسها من عام 2025، في زيادة بلغت 111%.