logo
مقالات الرأي

البترودولار 2.0.. هل نحن أمام نهاية النظام أو إعادة تصميمه؟

البترودولار 2.0.. هل نحن أمام نهاية النظام أو إعادة تصميمه؟
النفط يتراجع بعد أكبر هبوط في 6 سنوات وسط شكوك حيال الهدنة.المصدر: إرم بزنس
تاريخ النشر:

تتجه الأنظار اليوم إلى إغلاق «مضيق هرمز» ومحاولات النظام الإيراني استغلاله لفرض إرادته على جيرانه وعلى المجتمع الدولي، وبالتزامن مع التعقيدات التي أسفر عنها فشل مفاوضات إسلام آباد، يبدو أن الصراع الحقيقي يتجاوز الجغرافيا العسكرية ليمس العصب الحيوي للنظام المالي العالمي. إن ما نشهده ليس مجرد أزمة شح في إمدادات الطاقة، بل هو ربما مخاض لولادة نسخة جديدة من نظام حكم العالم لنحو نصف قرن.

عندما انهار نظام «بريتون وودز» في عام 1971، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة إستراتيجية: كيف يمكن الحفاظ على مركزية الدولار بعد فك ارتباطه بالذهب؟ الحل لم يكن تقنياً بقدر ما كان جيوسياسياً، عبر ربط العملة الأمريكية بأهم سلعة في العالم: النفط.

أخبار ذات صلة

مضخة نفط تابعة لشركة «آي بي سي بتروليوم» خارج منطقة سودرون، قرب مدينة رانس الفرنسية، يوم 6 فبراير 2023.

هل تنهي حرب إيران هيمنة نظام «البترودولار» لصالح «البترويوان»؟

نشأة البترودولار

من هنا نشأ ما يُعرف بـ«البترودولار»، وهو ترتيب غير رسمي قادته المملكة العربية السعودية كقوة نفطية مهيمنة آنذاك، بالتعاون مع جيرانها في منطقة الخليج التي كانت تشهد حينها مخاض استقلالها وتأسيس دولها الحديثة كالإمارات وقطر والبحرين. وبموجب هذا الترتيب، تم تسعير الصادرات النفطية بالدولار الأميركي، وإعادة استثمار الفوائض في الأصول الأميركية، مقابل مظلة أمنية وفرتها واشنطن للمنطقة الناشئة.

هذا الترتيب لم يضمن فقط تدفق الطلب العالمي على الدولار، بل أسس لقدرة واشنطن على تمويل عجزها بتكلفة منخفضة.

رياح التغيير ومخاض التعددية

اليوم، وبعد مرور خمسة عقود، تبدو هذه الركائز وكأنها بدأت في الاهتزاز. التحول الأول ينبع من داخل المنطقة نفسها. فالدول التي كانت في السبعينيات في طور التأسيس، تحولت اليوم إلى مراكز مالية واستثمارية عالمية تمتلك أضخم صناديق الثروة السيادية. لم يعد النموذج الخليجي يكتفي بدور «الممول الصامت» للعجز الأميركي، بل أصبحت هذه الدول تسعى لتنويع شراكاتها وتحصين نفوذها بعيداً عن التبعية الأحادية.

هذا التوجه نحو «التعددية القطبية» يتجلى بوضوح في الانخراط المتزايد مع تكتلات مثل «بريكس». وما زاد حدة هذا التوجه هو «صدمة» تجميد الأصول الروسية في عام 2022، والتي دقت ناقوس الخطر لدى الاقتصادات الناشئة حول المخاطر السياسية الكامنة في الارتباط الكلي بالدولار كأداة ضغط سياسي.

ثورة النفط الصخري ومفارقة الإنتاج مقابل التصدير

ومع ذلك، فإن المتغير الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل هذا النظام لا يحدث في مراكز القرار السياسي، بل في حقول الإنتاج الأمريكية. لقد أحدثت «ثورة النفط الصخري» تحولاً جذرياً؛ إذ انتقلت الولايات المتحدة من وضعية المستهلك القلق إلى أكبر منتج للنفط والغاز في العالم.

وهنا تبرز مفارقة تقنية تفسر الكثير من الارتباك الحالي في الأسواق: فرغم اعتلاء واشنطن عرش الإنتاج العالمي، فإنها لا تزال تُصنف كمصدّر صغير نسبياً مقارنة بالعمالقة التقليديين في «أوبك+». هذا يعود لحجم الاستهلاك المحلي الهائل، ولتصميم مصافيها التاريخي الذي يتطلب النفط الثقيل المستورد. هذه الوضعية لا تضعف الموقف الأميركي، بل تغير طبيعته؛ فواشنطن لم تعد رهينة لتأمين تدفق النفط إليها لضمان أمنها القومي، بل أصبحت تسعى للسيطرة على «قواعد اللعبة» العالمية من موقع المنتج المهيمن، حتى وإن لم تهيمن بعد على حصص التصدير المباشرة.

أخبار ذات صلة

أعادت حرب إيران شكل المنافسة على عرش الملاذات الآمنة مع ارتفاع أسعار النفط الذي منح الدولار قوة استثنائية مؤقتة

الذهب بين حصار هرمز وقوة الدولار.. هل يفقد آخر أوراقه كملاذ آمن؟

إعادة التوازن لا القطيعة

في ضوء هذه التحولات، والتوترات الراهنة التي تهدد سلاسل الإمداد في مضيق هرمز، نحن لا نشهد نهاية «البترودولار» بقدر ما نشهد انتقاله من نموذج «النفط الخليجي المسعر بالدولار» إلى نموذج أكثر مرونة يعتمد على «الطاقة العالمية المرتبطة بالدولار» في هذه المرحلة «البترودولار 2.0»، تتحول الولايات المتحدة من «ضامن خارجي» للنظام إلى «لاعب مركزي» فيه، مستندة إلى قوتها الإنتاجية الذاتية.

في المحصلة، لا يبدو أن العالم يتجه نحو قطيعة دراماتيكية مع العملة الخضراء، بل نحو مرحلة من إعادة التوازن في العلاقات التي تحكم استخدامه.

وتظل الحقيقة التاريخية الثابتة، أن من يسيطر على الطاقة يسيطر على موازين القوة الدولية. لكن ما يتغير اليوم هو "هوية" من يمتلك هذه السيطرة وكيفية توظيفها في ظل الصراعات الراهنة، وهو ما سيحدد في نهاية المطاف قدرة الدولار على البقاء كملك غير متوج على عرش النظام المالي العالمي.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف