إغلاق مضيق هرمز اختبار لـ 50عاماً من هيمنة الدولار
النفط الهارب من العقوبات يسرّع التحول

مع دخول حرب إيران مرحلة أكثر تعقيداً، وتزايد المخاطر على أحد أهم شرايين الطاقة العالمية في مضيق هرمز، يعود إلى الواجهة سؤال يتجاوز أسعار النفط والتقلبات اللحظية للأسواق، ليطال جوهر النظام النقدي العالمي نفسه.
فبينما تتحرك الأسواق بين الدولار كملاذ آمن من جهة، وتنامي الحديث عن تسعير بدائل باليوان من جهة أخرى، يتجدد الجدل حول مستقبل نظام «البترودولار» الذي حكم تجارة النفط لأكثر من نصف قرن، في ظل مؤشرات متسارعة على إعادة تشكيل خرائط الطاقة والتحالفات الاقتصادية.
بحسب تقرير جديد صادر عن «دويتشه بنك»، فإن الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران قد يمثل نقطة تحول تاريخية في النظام النقدي العالمي؛ ما قد يؤدي إلى تسريع تآكل هيمنة الدولار الأميركي في تجارة الطاقة والاحتياطيات الدولية.
وفي ظل استمرار حرب لا يعلم أحد متى تنتهي، لم يعد السؤال لدى بنوك عالمية «هل ينتهي البترودولار»، بل متى يبدأ العالم في الاعتراف رسمياً بـ«البترويوان» كنظام بديل أو حتى موازٍ.
قد لا يُطيح الصراع الإيراني بالدولار بين عشية وضحاها، لكنه قد يُحدث تغييراً أكثر أهمية، ألا وهو تفكيك النظام الذي جعل هيمنة الدولار أمراً حتمياً.
فمن تجارة النفط باليوان إلى استقلال الطاقة وتفكك التحالفات، تُشير القوى المؤثرة حالياً إلى تحول تدريجي ولكنه حاسم.
وإذا كانت صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي أدت إلى ظهور البترودولار، فإن هذا الصراع قد يُشكل بداية انحداره وظهور مفهوم موازٍ على الأقل يُدعى البترويوان.
في مذكرة حديثة حملت نبرة متشددة تجاه الدولار، حذّرت إستراتيجية العملات لدى «دويتشه بنك» ماليكا ساشديفا من أن الحرب قد تصبح العاصفة المثالية للإطاحة بالبترودولار؛ ما يهدد النظام الذي دام لعقود والذي دعم هيمنة الدولار العالمية.
وكتبت ساشديفا: «قد يكون الإرث طويل الأمد للصراع الإيراني بالنسبة للدولار هو الطريقة التي يختبر بها أسس نظام البترودولار، وحذّرت من أن التصدعات الأعمق قد يكون لها آثار لاحقة كبيرة على التجارة العالمية والمدخرات وديناميكيات العملات الاحتياطية».
وقالت: «يكمن في صميم هذا التحذير حقيقة بسيطة ولكنها قوية، ألا وهي أن العالم يستخدم الدولارات لأنه يتاجر بالدولار، وخاصة عند شراء النفط».
على المدى القريب، يحتفظ الدولار ببعض القوة بفضل استقلال الولايات المتحدة في مجال الطاقة والطلب عليه كملاذ آمن، لكن الابتعاد عن النفط قد يكون بقوة الضغط ذاته نحو تسعيره بعملات أخرى.
في هذا السياق، يشير «دويتشه بنك» إلى أن الاستجابة جاءت ضعيفة في ظل تزايد الضغوط على المالية الأميركية والرغبة في تنويع الاحتياطيات.
تقول مذكرة المصرف الألماني: «إن العالم الذي يصبح أكثر اكتفاءً ذاتياً في مجالي الدفاع والطاقة سيكون أيضاً عالماً يمتلك احتياطيات أقل من الدولار الأميركي»، مضيفة أن الأمن الاقتصادي يرتبط بشكل متزايد بالأمن القومي.
أشار «دويتشه بنك»، وهو أمر بالغ الأهمية، إلى تقارير جديدة تفيد بأن إيران قد تسمح بشحنات النفط مقابل دفعات باليوان، وهو ما يمثل لحظة فارقة محتملة.
وعلّقت ساشديفا في التقرير بقولها: «قد يُذكر هذا الصراع باعتباره عاملاً محفزاً رئيسياً لتآكل هيمنة البترودولار وبداية ظهور البترويوان».
يقدّم البنك تصوراً لمستقبل محتمل تنقسم فيه أسواق النفط على أسس جيوسياسية؛ فقد يكون هناك الشرق الأوسط، حيث تُسعّر التجارة الآسيوية باليوان، ثم نصف الكرة الغربي، حيث تُسعّر التجارة بالدولار لدى الحلفاء.
من شأن هذا التفتت أن يُضعف تأثيرات شبكة انتشار الدولار، التي تُعدّ بلا شك أبرز نقاط قوته، وفقاً لتقرير «دويتشه بنك».
في الوقت نفسه، قد تبدأ دول الخليج، التي تمتلك ما يقارب 8 تريليونات دولار من الاحتياطيات والثروات السيادية، في سحب أصولها الدولارية لتحقيق الاستقرار في اقتصاداتها المحلية المتضررة من الحرب؛ ما يُقلّل إعادة تدوير الدولار عالمياً.
منذ اتفاقية عام 1974 بين الولايات المتحدة والسعودية، يُسعّر النفط الخام بالدولار بشكل شبه حصري؛ ما يخلق حلقة مفرغة حيث تكسب الدول الدولارات وتدخرها وتعيد استثمارها في أصول أميركية.
رسّخ نظام البترودولار مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية لفترة طويلة، ومنحه قوة استثنائية لم تتوفر للعملات المنافسة، وعلى غرار اليوان عملة ثاني أقوى اقتصاد في العالم.
لكن «دويتشه بنك» يرى أن هذا الأساس يتعرّض الآن لضغوط غير مسبوقة، مشيراً إلى أن حرب إيران قد تكون الشرارة الأخيرة، إذ إن شركاء واشنطن هم من يسعون إلى الابتعاد عن الدولار واللجوء إلى العملات البديلة.
خلال ولاية الرئيس الأميركي جو بايدن الماضية، ومع ارتفاع أسعار النفط ومحاولة واشنطن الضغط على دول «أوبك+» لزيادة الإنتاج لتعويض النقص الناجم عن النفط الروسي في ظل العقوبات المفروضة مع اندلاع الحرب الأوكرانية، لوّحت دول التحالف باللجوء إلى تسعير النفط باليوان.
تُشير بيانات الجمارك إلى أن المملكة العربية السعودية تصدّر الآن إلى الصين أكثر من أربعة أضعاف ما تُصدّره إلى الولايات المتحدة من النفط؛ ما يُسلّط الضوء على تحوّل هيكلي في الجغرافيا السياسية للطاقة.
يأتي ذلك في الوقت الذي تدفع فيه الصين باتجاه التجارة القائمة على اليوان، بما في ذلك فواتير النفط، بينما يتم تداول النفط الخام الروسي والإيراني الخاضع للعقوبات خارج قنوات الدولار.
كما أن هناك أنظمة دفع عالمية جديدة تتجاوز نظام «سويفت» العالمي والنظام المالي الأميركي، على غرار مشروع «إم بريدج»، في الوقت الذي تنادي فيه مجموعة «بريكس» التي تقودها الصين وروسيا إلى إنهاء هيمنة الدولار، بل وبلغت حد الدعوة إلى إطلاق عملة احتياطية جديدة منافسة للدولار.
وفقاً لدويتشه بنك، قد لا تكون حرب إيران هي اللحظة التي ينهار فيها نظام البترودولار بشكل مباشر، لكنها قد تُسجَّل كنقطة انعطاف في مسار تآكله التدريجي.
فما بين تحولات الطاقة، وتغير مراكز الطلب، وتوسع استخدام العملات البديلة، يبدو أن النظام الذي ربط النفط بالدولار لعقود لم يعد محصناً كما كان في السابق.
وإذا كان التاريخ صنع البترودولار من صدمات السبعينيات، فإن صدمات الجغرافيا السياسية اليوم قد تعيد كتابة قواعده من جديد أو على الأقل تفتح الباب لأولِّ نظامٍ موازٍ ينازعه مكانته.