البيانات لم تسلب العملة الأميركية قوتها
التقلبات ستكون سمة المرحلة المقبلة

لم تعد الأسواق ترى المشهد من الزاوية نفسها، إذ يكتب الدولار وحده رواية مختلفة، بعدما أدخلت حرب إيران التي اندلعت نهاية الشهر الماضي الأسواق في حالة من الانقسام الحاد، إذ ترى سوق العملات في الدولار ملاذاً قوياً، في حين تسعر سوق الذهب والسندات استقواءً مفرطاً وهبوطاً محتملاً.
خلال تعاملات اليوم الخميس، واصل الدولار مكاسبه أمام عملات رئيسية أخرى، إذ ركز المتعاملون على اتجاهات التضخم العالمية مع التشكك في احتمال تهدئة قريبة للحرب على إيران، في إشارة إلى أن الدولار لا يرتفع لأنه قوي، بل لأن البدائل أضعف.
في الوقت الذي أفادت فيه تقارير بأن الولايات المتحدة أرسلت خطة من 15 نقطة إلى طهران لمناقشتها، تتبادل كل من إسرائيل وإيران الضربات الجوية، كما ترسل الولايات المتحدة قوات برية إلى المنطقة.
قال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض إن الولايات المتحدة تحرز تقدماً في المحادثات مع إيران، لكن طهران نفت إجراء أي مفاوضات مباشرة؛ ما أبقى المستثمرين في حالة ترقب وقلق.
قال كبير محللي العملات لدى «سكوتيا بنك» في تورونتو شون أوزبورن: «حقيقة أن الدولار لا يزال قوياً تشي بأن سوق العملات الأجنبية تتبنى وجهة نظر مختلفة قليلاً عن الأسهم والسندات».
أضاف أوزبورن في مذكرة للعملاء: «في حال التوصل إلى مخرج حقيقي هنا، فسنرى بدء خضوع جزء من هذه العلاوة في الدولار للتصحيح».
تابع: «ورغم أن الأسواق لا تزال تتوقع بقاء أسعار الفائدة الأميركية دون تغيير هذا العام، بدأت التوقعات بتشديد السياسة النقدية تتزايد».
أظهرت أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» أن العقود الآجلة لأسعار الفائدة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي تشير الآن إلى بقاء الفائدة دون تغيير في اجتماعي مايو ويونيو المقبلين.
كما أظهرت احتمالاً ضعيفاً لرفع أسعار الفائدة 25 نقطة أساس في اجتماع ديسمبر، مقارنة بخفض كان متوقعاً قبل أسبوع.
قبل اندلاع الحرب في الـ28 من فبراير الماضي، توقعت الأسواق خفضين إلى ثلاثة لأسعار الفائدة العام الجاري، مع توقعات أن يبدأ «الفيدرالي» التحرك في يونيو المقبل، مع التعيين المحتمل لكيفين وارش رئيساً للبنك.
أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي، لكنه حذَّر من ارتفاع وشيك في الأسعار، ويناقش صناع السياسات حالياً الظروف التي قد تجبرهم على رفع تكاليف الاقتراض للسيطرة على التضخم.
قالت لاغارد إن البنك المركزي الأوروبي سيضطر إلى الرد بقوة إذا بدا أن التضخم سيظل عند مستوى أعلى بكثير من هدفه البالغ 2% لفترة طويلة، لكنها أضافت أن تجاوزاً متواضعاً قد يستدعي أيضاً تحركاً مدروساً في أسعار الفائدة.
أضافت لاغارد خلال حدث اقتصادي أمس في فرانكفورت: «إذا أدت الصدمة إلى تجاوز كبير، وإن لم يكن طويل الأمد، لهدفنا، فقد يكون من الضروري إجراء بعض التعديلات المدروسة على السياسات».
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن إيران متلهفة بشدة إلى التوصل إلى اتفاق لإنهاء القتال المستمر منذ ما يقرب من أربعة أسابيع، وهو ما يتناقض مع تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي قال إن بلاده تدرس مقترحاً أميركياً لوقف إطلاق النار لكنها لا تنوي إجراء محادثات لإنهاء الصراع.
قال كبير الاقتصاديين في معهد «إن إل آي للأبحاث» تسويوشي أوينو: «جاءت هذه التصريحات المتضاربة في وقت تتزايد فيه الخسائر الاقتصادية للحرب، ومع تزايد نقص الوقود في أنحاء العالم، تسارع الشركات والدول إلى اتخاذ تدابير لاحتواء التداعيات؛ ما منح الدولار قوة استثنائية».
مع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي يمثل ممراً لخمس إنتاج العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال، يجتاح نقص الوقود العالم، وتواجه المؤسسات من شركات الطيران إلى المتاجر الكبرى وشركات تجارة السيارات المستعملة تحديات تشمل ارتفاع التكاليف وضعف الطلب وتعطل سلاسل التوريد.
كتب أوينو في مذكرة: «تلاشت الآمال في إنهاء الصراع قريباً، واستأنفت أسعار النفط ارتفاعها، وعاد الدولار للصعود، بعد أن منحت آمال التوصل إلى اتفاق قريب أسواق الأسهم العالمية دفعة للارتفاع».
مع تراجع أسواق الأسهم وارتفاع أسعار الوقود وانخفاض شعبية ترامب إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، يمتلك الرئيس الأميركي دوافع قوية لإيجاد حل قبل أن يتفاقم الصراع ويخرج عن السيطرة، قبل حلول موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر.
كما قال كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «سيتيرا لإدارة الاستثمارات» جين غولدمان: «قد يكون هناك تفاؤل محدود بأن المقترح والمقترح المضاد يمهدان الطريق لمزيد من المفاوضات، وحتى يتبين الاتجاه الحقيقي سيحافظ الدولار على مكاسبه».
غولدمان أضاف: «إلى حين اتضاح الموعد المحتمل لانتهاء الحرب، من المتوقع استمرار التقلبات الكبيرة نظراً لتأثير ارتفاع أسعار النفط في التضخم، الأمر الذي يمنح الدولار وقوداً إضافياً لاستكمال مسار الصعود، وما يحدث الآن ليس صعوداً عادياً للدولار، بل اختبار حقيقي لثقة الأسواق في نفسها قبل أي شيء آخر».