العملة الأميركية تحوم قرب ذروة 10 أشهر
بنوك أوروبا واليابان قد تتحرك في أبريل

في تحول غير تقليدي، خطف الدولار من الذهب لقب أهم ملاذ آمن في زمن الحرب، إذ انطلق الدولار الأميركي بالسرعة القصوى ليصبح قبلة المتداولين الأولى، تزامناً مع حالة العزوف عن الملاذات الآمنة التقليدية على غرار المعادن النفيسة، والتي سيطرت على الأسواق مع اشتعال أسعار النفط، التي قلبت توقعات مسار السياسة النقدية.
ارتفع الدولار في التعاملات المبكرة اليوم الاثنين مقابل عملات رئيسة، في وقت تبددت رهانات المستثمرين على خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» أسعار الفائدة، بالنظر إلى احتمال ارتفاع التضخم بسبب صعود أسعار الطاقة.
وقبل اندلاع حرب إيران في نهاية فبراير، التي دخلت يومها الـ24، توقع المستثمرون خفضين إلى ثلاثة لأسعار الفائدة الأميركية هذا العام، لكنهم صاروا يعتقدون الآن أن رفعاً واحداً هو الأقرب حتى الآن، في حين تميل بنوك مركزية كبرى أخرى إلى التشديد النقدي بدايةً من أبريل.
قال مدير التداول في «مونيكس يو إس إيه» في واشنطن، خوان بيريز: «الصورة العامة لا تزال تعبر عن تزايد ثقة البنوك المركزية في تأثير التضخم عما ظنه الناس، خاصة بنك إنجلترا وبنك اليابان أيضاً».
ومع ارتفاع أسعار النفط بنحو 55%، قرب أعلى مستوياتها في نحو 4 سنوات، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز والانخفاض الحاد في إمدادات وصادرات النفط من الشرق الأوسط، تزايدت التوقعات بشأن انعكاس مسار السياسة النقدية في أوروبا ومزيدٍ من التشديد في اليابان.
جاءت قفزة الدولار إلى ذروة 10 أشهر في وقت تُعد فيه الولايات المتحدة أكبر منتجٍ للنفط في العالم، وأقل المتضررين من الأزمة، بينما تتفاقم أزمة الطاقة في أوروبا وآسيا، اللتين تعتمدان على واردات النفط من الشرق الأوسط.
قال الرئيس العالمي لأبحاث أسعار صرف العملات في «ستاندرد تشارترد» بنيويورك، ستيف إنغلاندر: «كان جيروم باول غامضاً جداً بشأن كيفية استجابة اللجنة للحرب».
أضاف: «جانب التشديد تمثل في استياء باول من بطء وتيرة خفض التضخم، وربطه صراحةً أي خفضٍ آخر لأسعار الفائدة باقتراب التضخم من المستوى المستهدف عند 2%».
وتتوقع الأسواق المالية بشكلٍ شبه كامل أن يُبقي البنك المركزي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقبل يوم 29 أبريل، مع تأجيل أي خطوات للتيسير النقدي إلى 2027.
وفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لـ«سي إم إي»، يُنظر الآن إلى ذلك على أنه احتمال أكبر بكثير من خفض سعر الفائدة، حيث بدأت العقود الآجلة لأسعار الفائدة تُقدّر احتمال رفع سعر الفائدة بحلول ديسمبر بنحو 27%.
وتسعر توقعات العقود الآجلة الآن أن احتمالات إقدام البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا على رفع أسعار الفائدة ازدادت، وربما يحدث ذلك في وقت مبكر من أبريل.
كما أسهم إغلاق مضيق هرمز في ارتفاع أسعار النفط الخام؛ ما أدى إلى تفاقم التضخم من خلال ارتفاع تكاليف النقل والتصنيع، ويعزز ارتفاع التضخم من جاذبية الدولار في ظل بحث المتداولين عن أصول عالية التسييل في وقت تتزايد فيه حالة عدم اليقين.
كتب المحللون في بنك «آي إن جي» الهولندي: «بين تبدّل رهانات الأسواق وتباين مسارات البنوك المركزية، لم يعد الدولار يتحرك وحده كملاذٍ مطلق، بل بات جزءاً من معادلةٍ أكثر تعقيداً تحكمها الطاقة والتضخم والتوترات الجيوسياسية في آنٍ واحد».
وأضافوا في مذكرة: «مع استمرار الضبابية بشأن مسار الفائدة، وتصاعد تأثيرات الحرب على الاقتصاد العالمي، تبقى سوق العملات مفتوحة على جميع الاحتمالات».
كذلك تابع المحللون: «إما أن يستعيد الدولار قوته مدفوعاً بتشديد نقدي أطول، أو يواصل فقدان زخمه لصالح عملاتٍ أخرى بدأت تقتنص الفرصة في لحظة تحوّل تاريخية في موازين القوة المالية العالمية».
تسعر توقعات العقود الآجلة الآن أن احتمالات إقدام البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا على رفع أسعار الفائدة ازدادت، وربما يحدث ذلك في وقت مبكر من أبريل.
اختتم البنك المركزي الأوروبي اجتماع مارس دون تعديل تكاليف الاقتراض، ليُبقي سعر فائدة تسهيلات الإيداع عند 2%، وقالت رئيسة البنك كريستين لاغارد: «ستتوقف التداعيات على حدة الصراع ومدة استمراره».
كما أبقى بنك إنكلترا أسعار الفائدة دون تغيير، محذراً من أن تداعيات الحرب ستؤثر في أسعار الوقود والمرافق للمنازل، وقال أندرو بيلي، محافظ البنك: «لجنة السياسة النقدية تُدرك تزايد مخاطر الضغوط التضخمية، خصوصاً مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة».
يرى خبير الأسواق العالمية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «إنفيسكو» بسنغافورة، ديفيد تشاو، أنه من الصعب التنبؤ بالوضع، والأمر اليوم أكثر تعقيداً، لكن يبدو أن بنك اليابان هو الأقرب للتحرك بين البنوك المركزية الكبرى.
وأضاف: «ترك بنك اليابان الباب مفتوحاً أمام رفع أسعار الفائدة في أبريل؛ ما أربك المستثمرين الذين راهنوا على مزيدٍ من ضعف الين، وساعد على ارتفاع العملة».
وأبقى بنك اليابان سعر الفائدة دون تغيير عند 0.75%، وترك الباب مفتوحاً لرفعه إلى 1%، وقال كازو أويدا، محافظ البنك: «في أعقاب تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، شهدت الأسواق تقلبات، كما أن ارتفاع أسعار النفط قد يفرض ضغوطاً تضخمية».
قال كبير محللي الأسواق لدى «آر جي أو فيوتشرز» بوب هابركورن: «تزايد التوترات الجيوسياسية يدفع المتداولين إلى اللجوء إلى الأصول الأكثر سيولة، أي التوجه إلى النقد، إذ نشهد ارتفاعاً للدولار وعوائد السندات».
أضاف هابركورن: «لكن هذا الارتفاع في الأسعار قد يكون قصير الأجل على الأرجح، ومن المتوقع أن تدعم موجات اللجوء إلى الملاذات الآمنة، المدفوعة بالمخاطر الجيوسياسية، ارتفاع الأصول الأكثر حفظاً للقيمة على غرار المعادن الثمينة».