التوقعات تتلاشى بشأن خفض الفائدة
أزمة الطاقة تؤجج مخاوف عودة التضخم

يبدو أن الدولار خسر رهانه الأقوى، مع انقلاب سوق العملات في الساعات القليلة الماضية، تزامنا وهبوط العملة الأميركية أكثر من 1%، في إشارةٍ إلى أن رهانات المتداولين قد تبدلت بعد انتهاء اجتماعات البنوك المركزية الكبرى في الولايات المتحدة واليابان وإنجلترا وأوروبا.
تراجع الدولار الأسبوع الجاري عن أعلى مستوياته في نحو 10 أشهر، إذ أدى ارتفاع أسعار الطاقة، ومدى تعرض كل اقتصادٍ على حدة لأزمة نقص إمدادات، إلى تغيير التوقعات بشأن أسعار الفائدة عالمياً.
في الوقت الذي تُعد فيه الولايات المتحدة أكبر منتجٍ للنفط في العالم، وأقل المتضررين من الأزمة، تتفاقم أزمة الطاقة في أوروبا وآسيا، التي تعتمد على واردات النفط من الشرق الأوسط.
قبل اندلاع حرب إيران في نهاية فبراير، كان المستثمرون يتوقعون خفضين إلى ثلاثة لأسعار الفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» للعام الجاري، لكنهم باتوا يرون الآن أن خفضاً واحداً حتى أصبح احتمالاً بعيداً.
ويتجه اليورو والين والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري والدولار الأسترالي لتحقيق مكاسب أسبوعية مقابل الدولار، بعدما مهد صانعو السياسات الطريق لرفع أسعار الفائدة للتعامل مع تداعيات حرب إيران التي عطلت إمدادات النفط والغاز.
مع ارتفاع أسعار النفط بنحو 50%، قرب أعلى مستوياتها في نحو 4 سنوات، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز والانخفاض الحاد في إمدادات وصادرات النفط من الشرق الأوسط، تزايدت التوقعات بشأن انعكاس السياسة النقدية في أوروبا ومزيدٍ من التشديد في اليابان.
أبقى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي هذا الأسبوع أسعار الفائدة دون تغيير، كما كان متوقعاً، لكن رئيسه جيروم باول قال إنه من السابق لأوانه تحديد نطاق ومدة أي تداعيات اقتصادية ناجمة عن الحرب.
توقعت اللجنة الفيدرالية ارتفاع التضخم، واستقرار معدلات البطالة، مع خفضٍ واحدٍ فقط لتكاليف الاقتراض للعام الجاري، وهو مسارٌ قال جيروم باول إنه معرض لدرجةٍ غير معتادةٍ من الضبابية.
كما تتوقع الأسواق المالية بشكلٍ شبه كامل أن يُبقي البنك المركزي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقبل يوم 29 أبريل، مع تأجيل أي خطوات للتيسير النقدي إلى 2027.
قال الرئيس العالمي لأبحاث أسعار صرف العملات في «ستاندرد تشارترد» بنيويورك، ستيف إنغلاندر: «كان جيروم باول غامضاً جداً بشأن كيفية استجابة اللجنة للحرب».
وأضاف: «جانب التشديد تمثل في استياء باول من بطء وتيرة خفض التضخم، وربطه صراحةً أي خفض آخر لأسعار الفائدة باقتراب التضخم من المستوى المستهدف عند 2%».
في المقابل، يرى خبير الأسواق العالمية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «إنفيسكو» بسنغافورة، ديفيد تشاو، أن محافظ بنك اليابان كازو أويدا كان أكثر حذراً من المعتاد في تصريحاته.
قال تشاو في مذكرةٍ للعملاء: «من الصعب التنبؤ بالوضع، والأمر اليوم أكثر تعقيداً، لكن يبدو أن بنك اليابان هو الأقرب للتحرك بين البنوك المركزية الكبرى».
أضاف: «ترك بنك اليابان الباب مفتوحاً أمام رفع أسعار الفائدة في أبريل، ما أربك المستثمرين الذين راهنوا على مزيد من ضعف الين، وساعد على ارتفاع العملة».
وابتعد الين عن مستويات التدخل الحكومي عند 160 يناً للدولار، وصعد بعد تصريحات أويدا، عقب تثبيت الفائدة عند 0.75%، مع تقييم يشير إلى تعاف متوسط للاقتصاد.
اختتم البنك المركزي الأوروبي اجتماع مارس دون تعديل تكاليف الاقتراض، ليُبقي سعر فائدة تسهيلات الإيداع عند 2%.
ويرى المجلس الحاكم أن حرب إيران سيكون لها أثر ملموس على التضخم في الأجل القريب، عبر ارتفاع أسعار الطاقة.
كما قالت رئيسة البنك كريستين لاغارد: «ستتوقف التداعيات على حدة الصراع ومدة استمراره».
أبقى بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير، محذراً من أن تداعيات الحرب ستؤثر في أسعار الوقود والمرافق للمنازل، فضلاً عن آثار غير مباشرة على كلفة الشركات.
وصوت مسؤولو البنك بالإجماع على تثبيت الفائدة عند 3.75%، مع التأكيد على الاستعداد للتحرك لمواجهة أي ارتفاعٍ في التضخم.
وقال أندرو بيلي: «لجنة السياسة النقدية تدرك تزايد مخاطر الضغوط التضخمية، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة».
في اجتماع استمر يومين، أبقى بنك اليابان سعر الفائدة دون تغيير عند 0.75%، وترك الباب مفتوحاً لرفعه إلى 1%.
وقال البنك في بيان: «في أعقاب تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، شهدت الأسواق تقلبات، كما أن ارتفاع أسعار النفط قد يفرض ضغوطاً تضخمية».
كذلك أكد أويدا: «قبل الصراع، كانت أنشطة الأسر والشركات قوية، لكن الآن تبدلت التوقعات مع عودة مخاطر التضخم المرتبطة بالطاقة».
كتب المحللون في بنك «آي إن جي الهولندي»: «بين تبدل رهانات الأسواق وتباين مسارات البنوك المركزية، لم يعد الدولار يتحرك وحده كملاذ مطلق، بل بات جزءاً من معادلة أكثر تعقيداً تحكمها الطاقة والتضخم والتوترات الجيوسياسة في آن واحد».
وأضافو في مذكرة: «مع استمرار الضبابية بشأن مسار الفائدة، وتصاعد تأثيرات الحرب على الاقتصاد العالمي، تبقى سوق العملات مفتوحة على جميع الاحتمالات».
تابع المحللون: «إما أن يستعيد الدولار قوته مدفوعاً بتشديد نقدي أطول، أو يواصل فقدان زخمه لصالح عملات أخرى بدأت تقتنص الفرصة في لحظة تحول تاريخية في موازين القوة المالية العالمية».