أوروبا مستعدة للتدخل لتأمين مضيق هرمز
الخام الأميركي يُباع بخصم قياسي عن برنت

في لحظةٍ تختلط فيها نيران الحرب بحسابات السياسة، تتحرك القوى الكبرى بشكلٍ متسارعٍ لاحتواء صدمةٍ نفطيةٍ قد تعصف بالاقتصاد العالمي، مع اقتراب الإمدادات من نقطة اختناق تاريخية عند مضيق هرمز.
تراجعت أسعار النفط في التعاملات المبكرة اليوم الجمعة، جلسة نهاية الأسبوع، وسط تنامي الضغوط الدولية لحلحلة الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، ووقف التصعيد، مع التأكيد على ضرورة عدم استهداف مراكز الطاقة.
جاء هذا التراجع مدفوعاً بتحركاتٍ منسقةٍ بين قوى كبرى، حيث تقدمت دول أوروبية واليابان بمبادرةٍ لتأمين عبورٍ آمنٍ للسفن عبر مضيق هرمز، بالتزامن مع خطواتٍ أميركيةٍ لدعم الإمدادات وتهدئة الأسواق.
لكن خلف هذا الهدوء النسبي، تتصاعد المخاطر بوتيرةٍ متسارعة؛ فمع دخول الحرب أسبوعها الثالث دون أفقٍ واضحٍ للنهاية، يقترب سوق النفط من اختبارٍ حاسمٍ بين احتواء الأزمة، أو الانزلاق إلى صدمةٍ عالميةٍ جديدة.
طالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب إسرائيل بعدم تكرار هجماتها على البنية التحتية الإيرانية للغاز الطبيعي، بعدما أدت ضرباتٌ انتقاميةٌ إيرانيةٌ على منشآت طاقة في المنطقة إلى ارتفاعٍ كبيرٍ في أسعار الطاقة، وشكلت تصعيداً حاداً في الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.
وقال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض، حيث التقى برئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي: «قلت له (رئيس الوزراء الإسرائيلي) لا تفعل ذلك، ولن يفعل».
جاء تعليق ترامب في وقتٍ شهدت فيه أسعار الطاقة قفزةً كبيرةً، بعد أن ردت إيران على هجومٍ إسرائيليٍ على حقل غازٍ رئيسيٍ باستهداف مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، التي تعالج نحو خُمس إنتاج العالم من الغاز الطبيعي المسال، ما تسبب في أضرارٍ جسيمة.
كما تعرض الميناء السعودي الرئيسي على البحر الأحمر، والذي أتاح للمملكة تحويل بعض صادراتها لتجنب مضيق هرمز الذي تغلقه إيران فعلياً، لهجوم هو الآخر.
دعا قادة الاتحاد الأوروبي إلى وقف الضربات العسكرية التي تستهدف منشآت الطاقة والمياه في الشرق الأوسط، وسط مخاوف متزايدة بشأن تأثير حرب إيران على الاقتصاد العالمي.
ودعا القادة إلى تعزيز المهمة البحرية الحالية للاتحاد الأوروبي في البحر الأحمر «أسبيدس»، والمهمة البحرية لمكافحة القرصنة «أتلانتا» في القرن الأفريقي، بمزيدٍ من الموارد، وبما يتماشى مع تفويضيهما.
في الوقت ذاته، انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحلفاء الذين اتسم رد فعلهم بالحذر، بعدما طلب المساعدة في تأمين مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
في مسعى جديدٍ للحد من ارتفاع أسعار النفط، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة يمكن أن ترفع قريباً العقوبات عن النفط الإيراني المُحمّل على ناقلات.
أضاف بيسنت في مؤتمرٍ صحفيٍ في البيت الأبيض: «من الممكن أيضاً الإفراج عن المزيد من النفط الخام من الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي».
خلال الأسبوع الماضي، منحت الولايات المتحدة صادرات النفط الخام من روسيا إعفاء من العقوبات لمدة شهر تنتهي في 11 أبريل المقبل مع الإعلان عن تخفيف وشيك لبعض العقوبات عن قطاع النفط الفنزويلي.
وأعلنت واشنطن ووكالة الطاقة الدولية، عن الإفراج عن أكثر من 400 مليون برميل من احتياطيات مخزونات الطوارئ، في سابقة تاريخية لاحتواء ارتفاع الأسعار، مع التلويح بضخ المزيد، إذا اقتضت الحاجة ذلك.
يتجه خام برنت القياسي للارتفاع بأكثر من 4% الأسبوع الجاري، بعد أن قصفت إيران منشآتٍ للنفط والغاز في دول الخليج، ما أدى إلى تعطلٍ في الإنتاج.
إلا أنه من المتوقع أن ينخفض خام غرب تكساس الوسيط بما يقارب 4%، ليسجل أول انخفاضٍ أسبوعيٍ في خمسة أسابيع، ويجري تداول خام غرب تكساس الوسيط بأكبر خصم مقابل خام برنت خلال 11 عاماً.
قال بنك «غولدمان ساكس» إن المخاطر التي تهدد أسعار النفط لا تزال تميل نحو الارتفاع على المدى القريب وحتى 2027.
وأضاف البنك: «تكرار الصدمات الكبيرة التي تؤثر على الإمدادات يُسلط الضوء على احتمال بقاء أسعار النفط فوق 100 دولارٍ للبرميل».
كما قال: «السيناريو الأساسي يفترض انتعاشاً تدريجياً في تدفقات النفط بدايةً من أبريل، مع انخفاض سعر خام برنت إلى مستوى 70 دولاراً بحلول الربع الأخير من 2026».
كذلك حذر البنك من أن المخاطر التي تهدد التوقعات على المدى الطويل لا تزال مرتفعةً بسبب حرب إيران، وعدم اليقين بشأن إعادة فتح مضيق هرمز.
وبين تحركاتٍ سياسيةٍ سريعةٍ ومخاطر جيوسياسيةٍ متصاعدةٍ، يقف سوق النفط عند مفترق طرقٍ حاسم، إما أن تنجح الجهود الدولية في ترويض الأسعار، أو ينفلت السوق نحو صدمةٍ قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي من جديد.
قالت «وكالة الطاقة الدولية» إن إغلاق مضيق هرمز تسبب في أكبر اضطرابٍ تشهده أسواق النفط العالمية في التاريخ.
وقالت شركة «وود ماكنزي» للاستشارات في مجال الطاقة إن الحرب تقلص حالياً إمدادات النفط ومشتقاته من دول الخليج إلى السوق بنحو 15 مليون برميل يومياً، ما قد يرفع أسعار النفط الخام إلى 150 دولاراً للبرميل.
ويرى محللون في «غولدمان ساكس» و«آي إن جي» أن الأسواق ستبقى شديدة الحساسية لأي تطوراتٍ عسكريةٍ في الخليج، إذ قد يؤدي أي تعطلٍ واسعٍ للإمدادات إلى دفع الأسعار سريعاً نحو مستويات 120 إلى 150 دولاراً للبرميل.