تراجع النفط والدولار منح الذهب فرصة
السوق يقيّم خطة ترامب والمفاوضات

ارتفعت أسعار الذهب في التعاملات المبكرة اليوم الأربعاء، لتتجاوز مستويات 4600 دولار للأونصة، قبل أن تتخلى عن جانب من مكاسبها، في إشارة إلى سيطرة حالة من عدم اليقين على نفسية المتعاملين.
وازداد الذهب، مدعوماً بتراجع الدولار، في حين أدى هبوط أسعار النفط إلى تهدئة المخاوف من ارتفاع التضخم وزيادة أسعار الفائدة عالمياً، وسط تقارير عن خطة أميركية لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.
يعكس هذا التحول أن الأسواق لم تعد تتعامل مع الذهب كملاذٍ مطلق، بل كأصلٍ حساس لتكلفة التمويل، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة تكلفة الاحتفاظ به، في مقابل جاذبية أعلى للأصول الدولارية.
في الوقت ذاته، تفرض تقلبات أسعار النفط ضغوطاً تضخمية تدفع البنوك المركزية نحو التشديد، وهو ما يعزز قوة الدولار ويضغط على الذهب، مع تزايد التوقعات بتحول مسار السياسة النقدية إذا طال أمد الحرب.
قال رئيس إستراتيجيات السلع العالمية في «تي دي سكيورتيز» بارت ميليك: «إذا استمرت الحرب واستمرت أسعار الطاقة في الارتفاع، فلن يكون ذلك خبراً ساراً للذهب، لذا يحتاج الذهب إلى التهدئة كي يعود للصعود».
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في وقت متأخر أمس الثلاثاء، إن الولايات المتحدة تحرز تقدماً في جهودها الرامية إلى التفاوض لإنهاء الحرب مع إيران، كما أرسلت واشنطن إلى إيران خطة من 15 نقطة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.
الخطة ستشمل تفكيك البرنامج النووي الإيراني، ووقف دعم الجماعات الحليفة، وإعادة فتح مضيق هرمز، وقال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض: «إيران قدمت تنازلات قيّمة تتعلق بالطاقة غير النووية ومضيق هرمز».
أسهم إغلاق مضيق هرمز مؤخراً في ارتفاع أسعار النفط الخام؛ ما أدى إلى تفاقم التضخم من خلال ارتفاع تكاليف النقل والتصنيع، كما يعزز ارتفاع التضخم جاذبية الدولار في ظل بحث المتداولين عن أصول عالية التسييل، في وقت تتزايد فيه حالة عدم اليقين.
كتب ميليك في مذكرة: «سيتعرض الذهب لضغوط خلال الربع الثاني، لكنني أعتقد أنه بحلول نهاية العام، ستبدو التوقعات بالنسبة للذهب جيدة مرة أخرى».
أضاف ميليك: «نأمل أن تتمتع البنوك المركزية، مثل: مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» بمزيد من الحرية بحلول ذلك الوقت، وقد نشهد تراجعاً في الدولار وانخفاضاً في أسعار الفائدة».
وتابع: «رغم أن ارتفاع التضخم يزيد عادةً جاذبيةَ الذهب باعتباره وسيلة للتحوط، فإنه يؤثر في توقعات رفع أسعار الفائدة، التي تضغط على الطلب على هذا الأصل الذي لا يدر عائداً».
قال مدير تداول المعادن لدى «هاي ريدج فيوتشرز» ديفيد ميجر: «السوق لا يزال يعاني عدمَ اليقين، في إشارة إلى الانخفاض الحاد الذي حدث هذا الأسبوع؛ إذ كان استمراراً لموجة التصفية الطويلة في الجلسات الماضية».
ميجر أضاف في مذكرة للعملاء: «جاء هذا التراجع الكبير عقب منشور ترامب على منصة (تروث سوشال)، وأدى هذا الخبر إلى انعكاسات واسعة النطاق في الأسواق، شملت المعادن والطاقة والأسهم على حد سواء».
تابع ميجر أيضاً: «من المنطقي أن نفترض استمرار التقلبات خلال الجلسات المقبلة، حتى تظهر وجهة واضحة لمسار الحرب التي تقترب من شهر».
أشار المحللون في بنك «آي إن جي» الهولندي إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة أخيراً نتيجة للحرب على إيران أدى إلى زيادة التوقعات باستمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
محللو «آي إن جي» أوضحوا أيضاً: «رغم سمعة الذهب كأداة للتحوط من التضخم وملاذ آمن، فإنه لم يستفد من ارتفاع أسعار الفائدة، الذي أدى إلى زيادة تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بهذا المعدن الذي لا يدر عائداً».
وأضاف المحللون: «عقب تصريحات ترامب، انخفضت أسعار النفط وتراجع الدولار، وأدى ضعف الدولار إلى جعل الذهب، المقوم بالدولار، في متناول حائزي العملات الأخرى».
أما محللو «إيه إن زد» فتوقعوا استمرار التقلبات الحادة في أسعار الذهب على المدى القصير، مع قيام المستثمرين بتقليص المخاطر؛ إذ تؤجج الحرب مخاوف التضخم، وتحد رهانات أسعار الفائدة، وتلقي بظلالها على توقعات النمو العالمي.
عن مستقبل الذهب، قال كبير محللي السوق في مجلس الذهب العالمي جون ريد: «من المفترض أن يحقق الذهب أداءً جيداً في بيئة الركود التضخمي، كما كانت الحال دائماً، لكن قد يكون هناك المزيد من عمليات جني الأرباح والتصفية أولاً».
وشهدت صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب، وفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي، تدفقات خارجة بقيمة 7.9 مليار دولار، أو 54.8 طن، بشكل رئيس في الولايات المتحدة، لتصل إلى 4117.9 طن منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط.
أضاف ريد: «رغم الانخفاضات الحالية في الأسواق، فإن دور الذهب كوسيلة لتخزين الثروة سيبقى قائماً على المدى الطويل».
في تلك الأجواء المشحونة بالتوترات والشد والجذب بين أطراف الصراع، بات الذهب مرهوناً بثلاثة عوامل: الفائدة، والنفط، ومسار الحرب.
كما لم يعد السؤال ما إذا كان الذهب لا يزال ملاذاً آمناً؟، بل متى يستعيد هذا الدور؟، وفي أي بيئة اقتصادية يمكن أن يعود لقيادة الأسواق من جديد؟.