
لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي محصوراً في تطوير نماذج أكثر ذكاءً، أو بناء مراكز بيانات أضخم، أو شراء رقائق أكثر تقدماً. فالصناعة التي جذبت مئات المليارات من الدولارات خلال السنوات الأخيرة تدخل الآن مرحلة جديدة، قد لا يكون الحكم فيها للمطورين والمستثمرين فقط، بل للمحاكم أيضاً.
وتتحول المخاطر القانونية للذكاء الاصطناعي من ملف تنظيمي مؤجل إلى تكلفة اقتصادية مباشرة، مع توسع استخدام هذه التكنولوجيا في قطاعات الأعمال، وانتقالها من أدوات للمحادثة والبحث إلى أنظمة قادرة على تنفيذ المهام، والتعامل مع الحسابات والمواقع والأنظمة الرقمية نيابة عن المستخدمين.
ووفقاً لتحليل نشره موقع Axios، فإن صناعة الذكاء الاصطناعي تواجه ما وصفه بـ«أزمة قانونية وجودية»، مع تزايد احتمالات استخدام التحذيرات العلنية والوثائق الداخلية للشركات كأدلة في الدعاوى القضائية المستقبلية.
في الصناعات التقليدية، تقوم قضايا المسؤولية غالباً على سؤال أساسي: هل كان الضرر متوقعاً؟ وإذا كان كذلك، هل اتخذت الشركة إجراءات كافية لمنعه؟
هذا السؤال قد يصبح أكثر حساسية في حالة الذكاء الاصطناعي، لأن كبرى الشركات في القطاع تركت وراءها سجلاً واسعاً من التصريحات والتحذيرات حول سرعة تطور النماذج ومخاطرها المحتملة.
فالتصريحات العلنية الصادرة عن مسؤولين تنفيذيين مثل سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، وداريو أمودي، الرئيس التنفيذي لـ«أنثروبيك»، بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي وسرعة تطوره، قد تمنح المحاكم مستقبلاً مادة مهمة لتقييم ما إذا كانت الشركات تعرف مسبقاً بالمخاطر قبل طرح منتجاتها.
وهنا تظهر المفارقة الاقتصادية والقانونية. فالإفصاح عن المخاطر يساعد الشركات على إظهار الجدية في التعامل مع السلامة، لكنه قد يزيد في الوقت نفسه حجم الأدلة التي يستطيع المحامون استخدامها لإثبات أن الضرر كان متوقعاً.
لا تقف المخاطر القانونية عند الأضرار الناتجة عن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي. فحقوق الملكية الفكرية أصبحت واحدة من أكثر الجبهات كلفة على الشركات، بعدما جرى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على كميات ضخمة من الكتب والمقالات والمحتوى المحمي بحقوق النشر.
ووافقت «أنثروبيك» على دفع 1.5 مليار دولار لتسوية دعوى جماعية مرتبطة باستخدام كتب في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، في واحدة من أكبر التسويات المرتبطة بحقوق النشر في هذا القطاع، وفقاً لـرويترز وأسوشيتد برس.
وتعني هذه التسوية أن تكلفة بناء النماذج لا ترتبط فقط بالرقائق ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، بل قد تشمل أيضاً مدفوعات قانونية وتعويضات ضخمة لأصحاب المحتوى، خصوصاً مع تحرك ناشرين ووسائل إعلام وشركات موسيقى للمطالبة بحصة من القيمة التي تولدها نماذج الذكاء الاصطناعي.
يزداد المشهد تعقيداً مع انتقال الصناعة من روبوتات المحادثة إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تنفيذ إجراءات مباشرة، مثل إدارة ملفات، أو التعامل مع منصات رقمية، أو إجراء معاملات، أو الوصول إلى أنظمة داخلية في الشركات.
فإذا تسبب وكيل ذكاء اصطناعي في خسارة مالية، أو حذف بيانات، أو تنفيذ تعليمات خاطئة، يصبح السؤال القانوني أكثر صعوبة: من يتحمل المسؤولية؟ مطور النموذج؟ الشركة التي استخدمته؟ مزود الحوسبة السحابية؟ أم المستخدم الذي أعطى التعليمات؟
ووفقاً لـرويترز، حذرت «أنثروبيك» من أن وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يعملون باستقلالية ويمتلكون وصولاً عميقاً إلى أنظمة العملاء قد يخلقون مخاطر قانونية يصعب التنبؤ بها، خصوصاً إذا تسببوا في معاملات غير مصرح بها أو فقدان بيانات أو أضرار تشغيلية.
وتزداد حساسية هذه المسألة عندما تكون النماذج مفتوحة المصدر، أو عندما تقوم شركات أخرى بتعديلها وإعادة نشرها، لأن سلسلة المسؤولية تصبح أطول وأكثر تشابكاً.
المخاطر لا تقتصر على الشركات المطورة للنماذج. فالمؤسسات التي تدمج الذكاء الاصطناعي في أعمالها وتمنحه صلاحيات واسعة قد تجد نفسها أيضاً أمام مساءلة قانونية إذا تسبب النظام في ضرر للعملاء أو الموظفين أو الشركاء.
وهذا يضع الشركات أمام معادلة جديدة: كلما زادت صلاحيات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة، ارتفعت الحاجة إلى ضوابط حوكمة، ومراجعة بشرية، وتأمين، وتوثيق واضح لطريقة استخدام الأنظمة.
وبالنسبة للقطاعات المالية والصحية والقانونية والإعلامية، قد تصبح المسؤولية أكبر، لأن الخطأ في هذه المجالات لا ينتج عنه خلل تقني فقط، بل قد يتحول إلى ضرر مالي أو صحي أو قانوني مباشر.
في ظل بطء التشريعات الخاصة بالذكاء الاصطناعي، قد تصبح المحاكم هي الجهة الأكثر تأثيراً في رسم حدود الصناعة. فالأحكام والتسويات والتعويضات قد تفرض عملياً قواعد تشغيل جديدة، حتى قبل صدور قانون شامل ينظم القطاع.
ويرى تحليل «Axios» أن النظام القضائي الأميركي قد يتحول إلى منظم فعلي لصناعة الذكاء الاصطناعي، عبر تحديد ما إذا كانت الشركات قد توقعت المخاطر، وما إذا كانت إجراءاتها كافية، وما إذا كان المستخدمون قد حصلوا على تحذيرات واضحة.
لكن في المقابل، تمتلك شركات الذكاء الاصطناعي خط دفاع مهماً، يقوم على أنها حذرت المستخدمين من المخاطر، ووضعت سياسات استخدام، ونفذت اختبارات سلامة، وحاولت تقليل الضرر قبل وقوعه.
وبذلك، لا يرتبط مستقبل الصناعة فقط بمن يطور النموذج الأقوى، بل بمن يستطيع إثبات أنه تعامل مع المخاطر المعروفة بجدية كافية.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى قطاعات الاقتصاد المختلفة، قد تتحول المسؤولية القانونية إلى عامل مؤثر في تسعير المنتجات، وشروط التأمين، وتصميم الأنظمة، وحدود صلاحيات الوكلاء، وحتى قرار طرح بعض التطبيقات في السوق أو تأجيلها.