الذهب يصبح شديد الحساسية لحركة النفط
المعدن الأصفر في قبضة أنباء المفاوضات

يتحرك الذهب في منطقة رمادية بين الحرب والهدنة؛ إذ لم يعد الذهب يتحرك كملاذ آمن تقليدي، بل أصبح مرآة مباشرة لتحركات النفط وتوقعات الفائدة، في ظل حرب أعادت تشكيل معادلة التسعير بالكامل، والعلاقة العكسية التي نشأت بين النفط والذهب، وباتت محركاً رئيساً لمسار الفائدة.
عطلت حالة عدم اليقين بشأن حرب إيران ارتفاع أسعار الذهب، بعدما دخلت يومها السابع والعشرين، في الوقت الذي نجح فيه أمس باختراق مستويات الدعم النفسي المهمة عند 4500 دولار للأونصة.
خلال تعاملات اليوم الخميس، تباينت حركة أسعار المعدن الأصفر، مع ترقب المستثمرين مؤشرات أكثر وضوحاً على إحراز تقدم في جهود تهدئة الصراع في الشرق الأوسط، وتوخيهم الحذر انتظاراً للتطورات الجيوسياسية.
قال كبير محللي الأسواق المالية لدى «كابيتال دوت كوم» كايل رودا: «في الساعات الأربع والعشرين أو الثماني والأربعين المقبلة، ستتحرك أسعار الذهب وفقاً للأنباء المتعلقة بالمفاوضات».
كما كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أكد، أمس الأربعاء، أن بلاده تدرس المقترح الأميركي لوقف الحرب، لكنها لا تنوي إجراء محادثات لإنهاء الصراع المتفاقم.
رودا أضاف أيضاً: «عززت من صعود الذهب أمس أنباء بشأن إرسال الولايات المتحدة مقترحاً مؤلفاً من 15 نقطة إلى إيران عبر باكستان، من شأنه أن يمنح الأسواق مهلة شهر للتفاوض قد تنتهي باتفاق سلام».
كبير محللي الأسواق المالية لدى «كابيتال دوت كوم» أوضح: «من المرجح أن تحدث التحركات الكبيرة فعلاً بداية الأسبوع المقبل، عندما يتضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً برياً على إيران».
قالت كارولاين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، أمس الأربعاء، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب توعد بضرب إيران بقوة أكبر إذا لم تتقبل الهزيمة العسكرية.
وقال رودا: «ازداد الضغط على الذهب مع تجاوز سعر النفط الخام 100 دولار للبرميل، إذ يعيد المستثمرون تقييم احتمالات تهدئة التوتر في الشرق الأوسط».
قال المحلل في شركة «زانر ميتالز» بيتر غرانت: «يشهد الذهب انتعاشاً فنياً، مدعوماً أيضاً بالتفاؤل إزاء احتمال انحسار حرب إيران؛ ما أسهم في انخفاض أسعار النفط».
وأضاف غرانت: «سنحتاج إلى مزيد من التراجع في مخاوف التضخم قبل التفكير في إمكانية خفض أسعار الفائدة الأميركية مرة أخرى العام الجاري، وقد يعود سعر الذهب إلى 5000 دولار إذا تحقق ذلك».
غرانت تابع: «رغم الأنباء التي تبدو متفائلة وتصب في اتجاه توقف الحرب، لا تزال الأسعار عرضة للتقلبات، في ظل استمرار التصعيد على الأرض أو حتى في إطار الحرب النفسية».
كذلك تخطط وزارة الدفاع الأميركية لإرسال آلاف الجنود إلى المنطقة؛ ما يمنح ترامب خيارات أوسع لإصدار أوامر بشن هجوم بري، ويبقي احتمالات تصاعد الحرب قائمة.
أشار المحللون في بنك «آي إن جي» الهولندي إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة أخيراً نتيجة الحرب إيران أدى إلى زيادة التوقعات باستمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
وقال المحللون: «على الرغم من سمعة الذهب كأداة للتحوط من التضخم وملاذ آمن، فإنه لم يستفد من ارتفاع أسعار الفائدة، الذي أدى إلى زيادة تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بهذا المعدن الذي لا يدر عائداً».
حسب أداة «فيد ووتش» التابعة لـ«سي إم إي»، لم تعد الأسواق تتوقع أي تيسير نقدي من جانب مجلس الاحتياطي الاتحادي العام الجاري.
وقبل اندلاع الصراع، كانت توقعات السوق تشير إلى خفض أسعار الفائدة الأميركية مرتين على الأقل العام الجاري.
قال رئيس استراتيجيات السلع العالمية في «تي دي سكيورتيز» بارت ميليك: «إذا تواصلت الحرب واستمرت أسعار الطاقة في الارتفاع، فلن يكون ذلك خبراً ساراً للذهب، لذلك يحتاج إلى التهدئة كي يعود للصعود».
وأسهم إغلاق مضيق هرمز أخيراً في ارتفاع أسعار النفط الخام؛ ما أدى إلى تفاقم التضخم من خلال ارتفاع تكاليف النقل والتصنيع، كما يعزز ارتفاع التضخم من جاذبية الدولار في ظل بحث المتداولين عن أصول عالية التسييل، في وقت تتزايد فيه حالة عدم اليقين.
كما كتب رئيس استراتيجيات السلع لدى «تي دي سكيورتيز» عبر مذكرة: «سيتعرض الذهب لضغوط خلال الربع الثاني، لكنني أعتقد أنه بحلول نهاية العام ستبدو التوقعات بالنسبة للذهب جيدة مرة أخرى».
قال مدير تداول المعادن لدى «هاي ريدج فيوتشرز» ديفيد ميغر: «السوق لا تزال تعاني من عدم اليقين، ومن المحتمل أن تتعرض لموجة تصفية جديدة في الجلسات المقبلة».
من جانبهم توقع محللون في «إيه إن زد» استمرار التقلبات الحادة في أسعار الذهب على المدى القصير، مع قيام المستثمرين بتقليص المخاطر؛ إذ تؤجج الحرب مخاوف التضخم، وتحد رهانات أسعار الفائدة، وتلقي بظلالها على توقعات النمو العالمي.
أما عن مستقبل الذهب، قال كبير محللي السوق في مجلس الذهب العالمي جون ريد: «من المفترض أن يحقق الذهب أداءً جيداً في بيئة الركود التضخمي، كما كانت الحال دائماً، لكن قد يكون هناك المزيد من عمليات جني الأرباح والتصفية أولاً».
وبين رهانات التهدئة ومخاطر التصعيد، لم يعد السؤال إلى أين يتجه الذهب، بل متى ينفصل عن النفط ويستعيد استقلاله كملاذ آمن؟.