أسعار النفط فوق متسويات الـ100 تدعم قوة الدولار
الأسواق تعيد تقييم توقعات الفائدة وتستبعد الخفض

في لحظةٍ تهيمن عليها الضبابية الجيوسياسية، لم يعد الدولار مجرد ملاذٍ آمن، بل رهان مباشر على استمرار الحرب، في معادلة معقدة تربط بين النفط والتضخم والفائدة، وتجعل أي إشارة للسلام أو حتى المفاوضات كفيلة بقلب الاتجاه بالكامل.
تعافى الدولار اليوم، الثلاثاء، بعد أن نفت إيران تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إجراء محادثات، وصفها بأنها «جيدة وبناءة للغاية» لحل نهائي وشامل للأعمال القتالية في الشرق الأوسط.
يعكس هذا السلوك فكرة أن قوة الدولار الحالية ليست مدفوعة فقط بدوره كملاذٍ آمن، بل أيضاً بكونه المستفيد الأكبر من بيئة الفائدة المرتفعة، التي يغذيها ارتفاع أسعار الطاقة؛ ما يجعل أي تهدئة محتملة في الأسواق تهديداً مزدوجاً للعملة الأميركية، عبر تراجع النفط وانخفاض توقعات التشديد النقدي.
وشهدت الأسواق أمس موجة عنيفة من التقلبات، بعدما كتب ترامب في منشور على منصة «تروث سوشال» أن الولايات المتحدة وإيران أجرتا محادثات، قبل أن تنفي طهران انخراطها في أي مفاوضات مباشرة، ليرتفع الذهب والأسهم وينخفض الدولار والنفط عقب التصريحات مباشرة.
قال كبير محللي الأسواق لدى «آر جي أو فيوتشرز» بوب هابركورن: «تزايد التوترات الجيوسياسية يدفع المتداولين إلى اللجوء إلى الأصول الأكثر سيولة، أي التوجه إلى النقد، إذ نشهد ارتفاعاً للدولار وعوائد السندات».
وأضاف هابركورن في مذكرة للعملاء: «لا يمكن الرهان على ارتفاع الدولار لفترة طويلة، إذ يرتبط صعوده باستمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، والتي تغذي بدورها مستويات التضخم».
هابركورن تابع: «على المدى الطويل، إذا انتهت الحرب وهدأت أسعار النفط، فمن المتوقع أن تتلاشى مخاوف التضخم تدريجياً؛ ما يعيد السياسة النقدية وتوقعات الفائدة إلى مسار التيسير، وقد يضغط على الدولار».
قال مدير التداول بـ«مونيكس يو إس إيه» في واشنطن، خوان بيريز: «الصورة العامة تشير إلى تحول واضح في رؤية البنوك المركزية حول العالم لتوقعات التضخم، في ظل تسارع ارتفاع أسعار النفط».
تسببت الحرب في توقف شبه كامل لحركة نحو 20% من الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز؛ ما دفع الأسعار فوق 100 دولار، ليرتفع منذ بداية الحرب بنحو 45%.
وأضاف بيريز: «التوترات الجيوسياسية دفعت المستثمرين للعزوف عن المخاطرة والتحول إلى الأصول الأكثر سيولة؛ ما يدعم الدولار وعوائد السندات».
قال محلل العملات في بنك «أستراليا الوطني» رودريجو كاتريل: «الأنباء الأخيرة قد تمنح الأسواق بعض الهدوء، لكن من الصعب اعتبارها بداية موجة إقبال على المخاطرة».
وأضاف: «سجل ترامب في السياسات يبقي الأسواق في حالة حذر، إذ لا يزال المتعاملون متشككين فيما إذا كان ذلك يمثل بداية مفاوضات فعلية أم مجرد تراجع عن تهديدات».
قال رئيس أبحاث العملات في «ستاندرد تشارترد» ستيفن إنغلاندر: «ينظر السوق إلى هذه التطورات على أنها تراجع في المخاطر قصيرة الأجل بقطاع الطاقة».
وأضاف: «هذا لا يعني أن الأسوأ انتهى، بل أن احتمالية حدوثه في المدى القريب تراجعت».
كما كتب المحللون في بنك «آي إن جي»: «لم يستمر تأثير تصريحات ترامب طويلاً، إذ عاد النفط للارتفاع، ومعه ارتفع الدولار مدفوعاً بمخاوف التضخم».
وأضافوا: «تظل توقعات الفائدة في اجتماع (الفيدرالي) المقبل تشير إلى الإبقاء عليها دون تغيير».
وفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لـ«سي إم إي»، ارتفعت احتمالات رفع الفائدة بحلول ديسمبر إلى نحو 27%.
كتب المحللون في بنك «إيه إن زد»: «أثارت التعليقات المتناقضة أمس توتراً في الأسواق، بعد ارتفاع شهية المخاطرة عقب منشور ترامب الذي أعلن فيه تأجيل القصف لمدة خمسة أيام».
أضافوا: «مع ذلك، لا تزال الأسواق تضع في الحسبان أن الحرب تتسبب في وقف شبه كامل لحركة نحو خُمس الإمدادات العالمية عبر مضيق هرمز».
محللو «إيه إن زد» أوضحوا أيضاً: «ما يحدث حالياً يكشف أن قوة الدولار ليست نتيجة الثقة فقط، بل لغياب البدائل في بيئة تضخم مرتفع وسيولة مشدودة».
كما اعتبر المحللون أن الدولار من المرجح أن يبقى عالقاً في معادلة حساسة: كلما طال أمد الصراع، ترسخت قوته، وكلما اقتربت التهدئة، بدأ في فقدان أحد أهم مصادر دعمه؛ ما يجعل مساره في المرحلة المقبلة مرهوناً ليس بالاقتصاد وحده، بل بالسياسة أيضاً.