الأسعار تحوم فوق مستويات 4300 دولار
توقعات باستمرار التقلبات في الأيام المقبلة

في وقتٍ تتصاعد فيه المخاطر الجيوسياسية، يسلك الذهب مساراً معاكساً للتوقعات، متراجعاً رغم اشتداد التوترات، في إشارة إلى تحوّل عميق في سلوك الأسواق، فبدلاً من الاندفاع التقليدي نحو المعدن النفيس، يتجه المستثمرون إلى الدولار، مدفوعين بارتفاع أسعار النفط وتزايد الرهانات على بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول؛ ما يعيد رسم خريطة الملاذات الآمنة في زمن الحرب.
يعكس هذا التحول أن الأسواق لم تعد تتعامل مع الذهب كملاذٍ مطلق، بل كأصلٍ حساس لتكلفة التمويل، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة تكلفة الاحتفاظ به، مقابل جاذبية أعلى للأصول الدولارية، في حين يفرض صعود النفط ضغوطاً تضخمية تدفع البنوك المركزية نحو التشديد، وهو ما يعزز قوة الدولار ويضغط على الذهب في آنٍ واحد.
وتراجعت أسعار الذهب في التعاملات المبكرة اليوم الثلاثاء، للجلسة العاشرة على التوالي، بعدما عاشت أمس جلسة شديدة التقلب على وقع تصريحات متضاربة بين الولايات المتحدة وطهران بشأن جولة جديدة من المفاوضات.
قلص الذهب خسائره أمس الاثنين، وصعدت أسعاره من أدنى مستوى لها في أربعة أشهر، الذي سجلته في وقت سابق، بعد أن أدت تصريحات ترامب بتأجيل استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران إلى انخفاض حاد في أسعار النفط.
في جلسة شديدة التقلب أمس، هوى سعر الذهب الفوري إلى أدنى مستوى له في عام 2026 قرب 4100 دولار في تعاملات الاثنين المبكرة، قبل أن يعاود الارتفاع الحاد متجاوزاً 4400 دولار، في نطاق تقلب سعري يتجاوز 300 دولار.
جاء ذلك بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأجيل توجيه ضربات عسكرية ضد محطات توليد الطاقة في إيران لمدة خمسة أيام، إثر ما وصفه بمحادثات جيدة ومثمرة للغاية.
لكن بعد نفي طهران إجراء محادثات مع الولايات المتحدة، عادت أسعار الذهب لتغلق على تراجع للجلسة التاسعة على التوالي، وتفقد ما يقرب من 170 دولاراً للأونصة.
قال مدير تداول المعادن لدى «هاي ريدج فيوتشرز» ديفيد ميجر: «الانخفاض الحاد الذي حدث الليلة الماضية كان استمراراً لموجة التصفية الطويلة التي شهدناها خلال الجلسات الماضية، مدفوعة بشكل رئيسي بتوقعات ارتفاع أسعار الفائدة».
وأضاف ميجر في مذكرة للعملاء: «جاء هذا التراجع الكبير عقب منشور ترامب على منصة تروث سوشال، وأدى هذا الخبر إلى انعكاسات واسعة النطاق في الأسواق، شملت المعادن والطاقة والأسهم على حد سواء».
كما تابع: «من المنطقي أن نفترض استمرار التقلبات خلال الجلسات المقبلة، حتى تظهر وجهة واضحة لمسار الحرب التي تقترب من شهر».
أشار المحللون في بنك «آي إن جي» الهولندي إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة أخيراً نتيجة للحرب على إيران أدى إلى زيادة التوقعات باستمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
محللو «آي إن جي» قال: « رغم سمعة الذهب كأداة للتحوط من التضخم وملاذ آمن، إلا أنه لم يستفد من ارتفاع أسعار الفائدة، الذي أدى إلى زيادة تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بهذا المعدن الذي لا يدرّ عائداً».
المحللون أضافوا: «عقب تصريحات ترامب، انخفضت أسعار النفط وتراجع الدولار، وأدى ضعف الدولار إلى جعل الذهب، المقوم بالدولار، في متناول حائزي العملات الأخرى».
عن أزمة السيولة التي تشهدها السوق، قال محللون في «إيه إن زد»: «القفزة التي سجلها الذهب في يوم واحد مع بداية الحرب مع إيران، والتي أعقبتها فترة من الانخفاضات، تتوافق مع حوادث سابقة من الصدمات الشديدة، حيث تفوق احتياجات السيولة الطلب على الملاذ الآمن في المراحل المبكرة».
وأضاف المحللون: «من المتوقع أن تستمر التقلبات الحادة في أسعار الذهب على المدى القصير، مع قيام المستثمرين بتقليص المخاطر، إذ تؤجج الحرب مع إيران مخاوف التضخم، وتحد من الرهانات على خفض أسعار الفائدة، وتلقي بظلالها على توقعات النمو العالمي».
عندما اندلعت الحرب الأوكرانية في فبراير 2022، ارتفعت أسعار الذهب في البداية، لكنها تراجعت لاحقاً مع انتقال صدمة التضخم إلى أسعار الفائدة.
عن مستقبل الذهب، قال كبير محللي السوق في مجلس الذهب العالمي جون ريد: «من المفترض أن يحقق الذهب أداءً جيداً في بيئة الركود التضخمي، كما كانت الحال دائماً، لكن قد يكون هناك المزيد من عمليات جني الأرباح والتصفية أولاً».
وشهدت صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب، وفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي، تدفقات خارجية بقيمة 7.9 مليار دولار، أو 54.8 طن، بشكل رئيسي في الولايات المتحدة، لتصل إلى 4117.9 طن منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط.
وأضاف ريد: «رغم الانخفاضات الحالية في الأسواق، فإن دور الذهب كوسيلة لتخزين الثروة سيبقى قائماً على المدى الطويل».
بين ضغوط الفائدة، وصعود النفط، وتزايد الحاجة إلى السيولة، يجد الذهب نفسه في اختبار غير تقليدي لدوره التاريخي، حيث لم يعد السؤال ما إذا كان ملاذاً آمناً، بل متى يستعيد هذا الدور، وفي أي بيئة اقتصادية يمكن أن يعود لقيادة الأسواق من جديد.؟