الخام الأميركي يرتفع أكثر من 4%
السوق لا يزال يُسعّر علاوة المخاطر

لم تعد أسعار النفط تتحرك فقط وفق معادلة العرض والطلب، بل أصبحت رهينة مصداقية التهديدات السياسية، بعدما أعاد تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب «تاكو ترامب» خلط أوراق علاوة الحرب، في وقت تحاول فيه الأسواق التمييز بين التصعيد الفعلي والضجيج السياسي.
وارتفعت الأسعار في التعاملات المبكرة اليوم الثلاثاء، مع تجدد المخاوف بشأن تعطل الإمدادات، بعدما نفت إيران إجراء محادثات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب التي دخلت يومها الخامس والعشرين.
جاء هذا التقلب في الأسعار بعد إعلان ترامب تأجيل أي ضربات عسكرية على محطات الكهرباء الإيرانية لمدة خمسة أيام، عقب ما وصفه بمحادثات مثمرة، وذلك قبل ساعات من الموعد النهائي الذي كان يهدد فيه بتصعيد إضافي في النزاع المستمر منذ أربعة أسابيع.
مع تراجع الرئيس الأميركي عن تهديداته، بدأت الأسواق في إعادة تقييم علاوة المخاطر، بعد تمديد مهلة الـ48 ساعة التي منحها للجانب الإيراني.
بات أمام إيران حتى يوم الجمعة المقبل، بعد تمديد المهلة إلى 5 أيام، لفتح مضيق هرمز كاملاً أمام الملاحة، أو مواجهة استهداف محطات الطاقة والكهرباء، وفق تصريحات الرئيس الأميركي مطلع الأسبوع.
وتسببت الحرب في توقف شبه كامل لحركة نحو 20% من الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، في وقت تشهد فيه حركة محدودة للغاية للشحنات المتجهة إلى الصين أو الهند.
«تاكو ترامب» مصطلح ظهر في الأسواق في أبريل من العام الماضي، عندما تراجع الرئيس الأميركي عن تهديداته بفرض تعريفات جمركية على العالم، وهو اختصار لـ«ترامب دائماً يتراجع».
كتب ترامب على منصة «تروث سوشال» أن الولايات المتحدة وإيران أجرتا محادثات «جيدة وبناءة للغاية» بشأن التوصل إلى حل نهائي للأعمال القتالية في الشرق الأوسط.
بناءً على ذلك، قال إنه قرر تأجيل خطة قصف شبكة الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام؛ ما أدى إلى ارتفاع حاد في الأسهم وانخفاض في أسعار النفط، في تحول مفاجئ مقارنةً بتراجعات السوق عقب تهديداته السابقة.
في المقابل، نفت إيران هذه التصريحات، إذ كتب رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على منصة «إكس»: «إيران لم تجر أي محادثات مع الولايات المتحدة، وهذه الأخبار الكاذبة تُستخدم للتلاعب بالأسواق المالية والنفطية».
وتعكس التحركات الأخيرة في أسعار النفط تحولاً جوهرياً في سلوك الأسواق، إذ لم يعد المتداولون يتفاعلون مع التصريحات السياسية بنفس الدرجة السابقة، بل أصبحوا يقيمون مصداقيتها واحتمالات تنفيذها؛ ما يقلص تأثير ما يُعرف بـ«علاوة الخوف»، ويجعل الأسعار أكثر تقلباً وأقل استجابة للتهديدات غير المؤكدة، وفقاً للمحللين في منصة «آي جي».
قال كبير محللي الأسواق لدى «كيه سي إم تريد» تيم ووترر: «من خلال تعليق خطة قصف محطات الكهرباء الإيرانية لمدة خمسة أيام، سحبت الولايات المتحدة فعلياً جزءاً كبيراً من علاوة الحرب من أسعار النفط».
وأضاف في مذكرة: «الارتفاع المعتدل الذي شهدناه اليوم ليس سوى محاولة من السوق لاستعادة توازنه وسط الاضطراب الناتج عن التصريحات المتضاربة بين طهران وواشنطن».
وتابع: «حتى مع تعليق خطة القصف مؤقتاً، يدرك المتداولون أن مضيق هرمز لا يزال بعيداً عن أن يكون ممراً آمناً يسمح بتدفق الإمدادات بشكل طبيعي».
قدّر محللون في بنوك عالمية خسارة تتراوح بين 7 إلى 10 ملايين برميل يومياً من إنتاج النفط في الشرق الأوسط، بعد أن أدت التوترات إلى تراجع حاد في الإنتاج.
وقال فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، إن الأزمة في الشرق الأوسط «أسوأ من صدمتي النفط في سبعينيات القرن الماضي مجتمعتين».
كما أدى نقص الإمدادات إلى إصدار الولايات المتحدة أمراً بتعليق مؤقت للعقوبات على النفط الروسي والإيراني الموجود على الناقلات في البحر لمدة تتراوح بين شهر وشهرين.
كذلك قال المحللون في «آي جي»: «رغم الضجيج السياسي، لا تزال أساسيات السوق تشير إلى نقص فعلي في الإمدادات؛ ما يعني أن أي تراجع في الأسعار نتيجة تهدئة مؤقتة قد يكون محدوداً، في حال استمرت القيود على تدفقات النفط عبر مضيق هرمز».
قالت مؤسسة «فاندا إنسايتس»، فاندانا هاري: «معنويات السوق قد تتقلب على المدى القصير بفعل التصريحات السياسية، لكن الاتجاه الأكثر استدامة سيظل مرهوناً بتدفقات النفط من الشرق الأوسط».
وأضافت: «قد تكون هناك رغبة متزايدة لإنهاء النزاع، لكن فاعلية التهديدات ضد البنية التحتية الإيرانية لا تزال محل شك، في ظل قدرة طهران على الرد».
كما قالت مؤسسة «إينرجي أسبكتس» أميرتا سين: «التصعيد الحالي يشير إلى احتمالات ارتفاع أسعار النفط، محذّرةً من أن بعض التقديرات التي تراهن على تراجع إيران قد تكون غير دقيقة».
وأضافت: «يسعى الرئيس الأميركي إلى إظهار قدرته على التصعيد؛ ما قد يقود إلى سيناريوهات خطيرة تهدد البنية التحتية للطاقة في الخليج، في ظل تهديد إيران بالرد».
كما تابعت: «وتبقى أسعار النفط رهينة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة، حيث قد يؤدي أي تحرك عسكري فعلي إلى إعادة ضخ علاوة المخاطر سريعاً، بينما قد تدفع الإشارات الدبلوماسية إلى مزيد من التقلبات، في سوق لم يعد يثق بالكامل في التهديدات، لكنه لا يستطيع تجاهلها».