أسعار الوقود قرب 4 دولارات في الولايات المتحدة

فيما وصلت آثار حرب إيران إلى أغلب مواطني دول العالم تقريباً، بارتفاع أسعار الوقود أو زيادة تكاليف الإنتاج التي تنسحب على أسعار السلع أو الارتفاع غير المسبوق في تكاليف تذاكر الطيران، فقد اتخذ الوضع في واشنطن أبعاداً سياسية أخرى.
صار ارتفاع أسعار الوقود في المحطات صداعاً سياسياً للرئيس الأميركي دونالد ترامب وحزبه الجمهوري الذي سيبدأ قريباً حملته الانتخابية للحفاظ على أغلبيته الهشة، بفارق ضئيل ضمن الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر.
وبين ارتفاع أسعار الوقود وقلق المستهلكين، يبقى ترامب تحت ضغط سياسي متزايد، فيما تحذر الأسواق من صدمات نفطية إضافية قد تدفع الأسعار إلى 150 دولاراً للبرميل.
كما يتجاوز دور النفط الآن تأثيره كلاعب رئيسي في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، وصولاً إلى تشكيل النظام السياسي لدى أقوى اقتصاد في العالم، بعدما أصبح ألد خصوم ترامب في معركة الحفاظ على سيطرة هشة تمنحه القدرة على تمرير القوانين والقرارات التي أرهقت العالم.
ما بين حرب تدخل يومها الحادي والعشرين وأسعار نفط قفزت أكثر من 50%، ومحاولات القوى الفاعلة حول العالم في احتواء الأزمة وكبح جماح ارتفاع الأسعار وتعويض النقص الحاد في الإمدادات، خرجت وكالة الطاقة الدولية بمقترحات جديدة لتخفيف الأزمة للمستهلكين.
فمع اندلاع الأزمة، أعلنت وكالة الطاقة الدولية بالتنسيق مع الولايات المتحدة ودول مجموعة السبع عن أكبر عملية سحب من مخزونات الطوارئ في التاريخ، تجاوزت 400 مليون برميل قابلة للزيادة إذا اقتضت الحاجة.
في غضون ذلك، سعت حكومات عديدة حول العالم إلى اتخاذ تدابير وقائية للحد من تأثير ارتفاع أسعار النفط على الخدمات وأسعار السلع، في محاولة لاستيعاب الآثار التضخمية الناجمة عن حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز المتحكم في نحو 20% من صادرات العالم.
قفزت أسعار البنزين في محطات الوقود الأميركية بأكثر من 30% هذا الشهر، لتقترب من أربعة دولارات للغالون، على الرغم من مساعي الرئيس دونالد ترامب للحد من ارتفاع الأسعار واحتواء اضطرابات الإمدادات الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.
وارتفع متوسط أسعار بيع البنزين بالتجزئة في الولايات المتحدة بنحو 0.9 دولار للغالون، أو أكثر من 30% منذ بدأت حرب إيران في نهاية فبراير، وأشارت بيانات رابطة السيارات الأميركية إلى أن متوسط سعر البنزين بلغ أمس الخميس 3.88 دولار للغالون.
وقال محللون إنهم يتوقعون ارتفاع أسعار البنزين مع استمرار ارتفاع أسعار الخام، وقفزت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 30 دولاراً ما يزيد على 43%، إذ ازدادت من 67.02 دولار للبرميل إلى 96.14 دولار خلال الفترة نفسها.
ويزيد بلوغ عتبة الأربعة دولارات للغالون، الذي لم يحدث منذ أغسطس 2022، الضغط على المستهلكين الذين يعانون بالفعل من وطأة التضخم، في أكبر بلد منتج ومستهلك للنفط في العالم.
في ظل الاضطرابات الحادة التي تشهدها أسواق النفط العالمية نتيجة حرب إيران، كشفت وكالة الطاقة الدولية عن حزمة من الإجراءات العاجلة التي يمكن للحكومات والشركات والأسر اتخاذها للحد من الضغط على الأسواق وتخفيف الأعباء الاقتصادية على المستهلكين.
وأكد التقرير أن الأزمة الحالية تمثل أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط العالمي، مع تراجع حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط، حيث انخفضت الإمدادات بشكل كبير بعد أن كان يعبره نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية.
هذا الانخفاض أدى إلى تشديد الأسواق وارتفاع الأسعار إلى مستويات تجاوزت 100 دولار للبرميل، مع تسجيل زيادات حادة في أسعار المنتجات المكررة مثل الديزل ووقود الطائرات وغاز البترول المسال (LPG).
وقال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إن الحرب في الشرق الأوسط خلقت أزمة طاقة كبرى، محذراً من تفاقم التداعيات الاقتصادية ما لم يتم التوصل إلى حل سريع، مؤكداً أن الوكالة تعمل على دعم استقرار الأسواق بالتنسيق مع الحكومات حول العالم.
حدد التقرير 10 تدابير رئيسية يمكن تطبيقها سريعاً للحد من استهلاك النفط، وشملت قائمة الإجراءات العاجلة لخفض الطلب على النفط:
أشار التقرير إلى أن قطاع النقل البري يشكل نحو 45% من الطلب على النفط، ما يجعل القطاع محوراً رئيسياً لأي جهود تستهدف خفض الاستهلاك، مؤكداً أن التوسع في تطبيق هذه الإجراءات على نطاق واسع سيُحدث أثراً عالمياً ملموساً في تخفيف الأزمة.
كما شدد على أهمية أن توجه الحكومات دعمها بشكل دقيق للفئات الأكثر تضرراً، بدلاً من الدعم الشامل، مستنداً إلى تجارب سابقة أثبتت أن الاستهداف الأفضل يحقق نتائج أكثر استدامة وكفاءة.
وأكد أن هذه الإجراءات، رغم أنها لا تعوض بالكامل نقص الإمدادات، فإنها تمثل أداة فعالة للحد من الضغوط على الأسواق، وخفض التكاليف على المستهلكين، والحفاظ على الوقود للاستخدامات الحيوية حتى عودة الاستقرار إلى أسواق الطاقة العالمية.
إلا أن من المتوقع أن ينخفض خام غرب تكساس الوسيط بما يقارب 4%، ليسجل أول انخفاض أسبوعي في خمسة أسابيع، ويجري تداول خام غرب تكساس الوسيط بأكبر خصم مقابل خام برنت خلال 11 عاماً.
وكان برنت قد ارتفع في وقتٍ سابق أمس أكثر من 11 دولاراً، ليصل إلى أعلى مستوى له عند 119.13 دولار، مقترباً من أعلى مستوى له في ثلاث سنوات ونصف السنة، والذي سجله في التاسع من مارس.
قال بنك «غولدمان ساكس»: «تكرار الصدمات الكبيرة التي تؤثر على الإمدادات يُسلط الضوء على احتمال بقاء أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل».
ويرى محللون في «غولدمان ساكس» و«آي إن جي» أن الأسواق ستبقى شديدة الحساسية لأي تطورات عسكرية في الخليج، إذ قد يؤدي أي تعطل واسع للإمدادات إلى دفع الأسعار سريعاً نحو مستويات 120 إلى 150 دولاراً للبرميل.
كما قالت «وكالة الطاقة الدولية»: «من المتوقع أن ينخفض المعروض العالمي من النفط 8 ملايين برميل يومياً في مارس، بسبب تعطل حركة الشحن البحري من الخليج، وأن دولاً منتجة في الشرق الأوسط خفضت الإنتاج بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يومياً».
وقالت شركة «وود ماكنزي» للاستشارات في مجال الطاقة إن الحرب تقلص حالياً إمدادات النفط ومشتقاته من دول الخليج إلى السوق بنحو 15 مليون برميل يومياً، ما قد يرفع أسعار النفط الخام إلى 150 دولاراً للبرميل.