
بعد قرابة ستة عقود من العضوية الفاعلة، لم يعد قرار خروج دولة الإمارات من منظمة «أوبك» مجرد حدث عابر في أسواق الطاقة، بل هو «تصحيح مسار» استراتيجي فرضته التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة. ففي عالم اليوم، لم تعد التحالفات النفطية تُقاس بسنوات البقاء، بل بمدى مرونتها وقدرتها على التكيف مع «ديناميكية السوق» التي لا تنتظر أحداً.
دخلت الإمارات «أوبك» عام 1967، ومنذ ذلك الحين تشكلت وانحلت تكتلات دولية، بينما ظلت المنظمة تحاول التمسك بآليات تقليدية لم تعد تتماشى مع العصر. اليوم، تفتقر «أوبك» إلى «الديناميكية» المطلوبة لمواجهة تقلبات الطاقة المفاجئة، وهو الأمر الذي حاولت الإمارات إصلاحه من داخل المنظمة منذ عام 2021 عبر تقديم رؤى ودراسات تطويرية، لكنها اصطدمت بـ«عقلية قديمة» وبيروقراطية حالت دون مواكبة سرعة التغيرات.
عند تشريح الحالة الراهنة لـ«أوبك»، نجد مفارقة صارخة؛ فبينما تحمل الإمارات والسعودية الثقل الأكبر للمنظمة لضمان استقرار الأسواق، نجد شركاء كباراً (مثل فنزويلا، إيران، العراق، وليبيا) يعانون من اضطرابات هيكلية وإنتاجية مزمنة. وفي كفة أخرى، تبرز دول غير ملتزمة بحصصها أو أسعارها، مما يجعل العضو الملتزم والفاعل يدفع ضريبة «اللا مسؤولية» من جانب الآخرين. أصبحت المنظمة، بوضعها الحالي، كياناً اقتصادياً يميل إلى الترهل، في وقت تتطلب فيه الأسواق لاعبين «فتيين» يتسمون بالمرونة، تماماً كما رأينا في المناورات الروسية الذكية لإدارة لعبة السوق رغم الضغوط الدولية.
من منظور مالي بحت، كان البقاء داخل المنظمة يفرض على الإمارات قيوداً باهظة الثمن. فبينما تبلغ الطاقة الإنتاجية الإماراتية نحو 5 ملايين برميل يومياً، تحصر قيود «أوبك» سقف الإنتاج عند 3.5 مليون برميل. بعملية حسابية بسيطة، نحن نتحدث عن «فرصة ضائعة» تُقدر بـ1.5 مليون برميل يومياً.
هذا الفارق يعني خسارة سنوية تقارب 44 مليار دولار (بمتوسط سعر 80 دولاراً للبرميل)، وهو ما يتراكم ليصل إلى نحو 218 مليار دولار خلال خمس سنوات. بلغة الاقتصاد، هذا نزيف مالي لا يمكن تبريره سياسياً تحت لواء تحالف يعاني من عدم الانضباط من قِبل أعضائه.
خروج الإمارات ليس قراراً وليد اللحظة، بل هو استراتيجية نضجت منذ عام 2021، وستجني من ورائها فوائد جوهرية:
تبقى «أوبك» منظمة ذات تاريخ وقوة، ونتمنى لها التوفيق في مسارها، لكن بالنسبة إلى الإمارات، فقد انتهى زمن التضحية بالمصالح الاقتصادية العليا من أجل هيكل يحتاج إلى «إعادة اختراع» نفسه. لقد اختارت الإمارات أن تكون لاعباً قوياً في «جيم اقتصادي» لا يعترف إلا بالأكثر سرعة وديناميكية.