logo
مقالات الرأي

مقامرة الـ300 مليار دولار.. هل تشتري لغة «الصفقات» أمناً مع إيران؟

مقامرة الـ300 مليار دولار.. هل تشتري لغة «الصفقات» أمناً مع إيران؟
صورة من الجو لمضيق هرمز المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

تتحرك السياسة الخارجية لإدارة دونالد ترامب من قناعة تجارية عميقة ترى أن المال ليس مجرد أداة ضغط، بل مفتاح لفهم العالم وإعادة ترتيبه. في هذه الرؤية، لا تبدو النزاعات الدولية، مهما بلغت تعقيداتها التاريخية والأيديولوجية، سوى ملفات قابلة للمساومة إذا وُضعت على الطاولة الحوافز الاقتصادية الكافية. من الصين إلى روسيا، ومن أوكرانيا إلى إيران، يتكرر المنطق ذاته: كل أزمة لها ثمن، وكل خصم يمكن دفعه إلى التراجع إذا عُرضت عليه الصفقة المناسبة.

في الحالة الإيرانية، يبلغ هذا التفكير ذروته. فالمبادرة المطروحة تقوم على مقايضة صريحة: تجميد شامل وثابت للطموحات النووية الإيرانية مقابل حزمة إنقاذ اقتصادي غير مسبوقة. لا تقف الحزمة عند رفع العقوبات واستئناف تدفقات النفط والإفراج عن أصول مجمدة، بل تمتد إلى الفكرة الأكثر جرأة: صندوق دولي للتنمية والإعمار برأس مال يقارب 300 مليار دولار. إنها ليست مجرد مبادرة دبلوماسية، بل اختبار لفلسفة سياسية تؤمن بأن المال قادر على شراء الأمن، وترويض الخصوم، وإعادة تشكيل الحسابات الاستراتيجية.

أخبار ذات صلة

البحرية الإيرانية تحاول إنقاذ سفينة حاويات كورية جنوبية جنحت بعد أن اختارت الطريق الخطأ أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز - 18 يونيو 2026.

إيران تلغي رسوم عبور السفن مضيق هرمز لمدة 60 يوماً

معضلة المال.. حين تصطدم الصفقة بعقيدة الردع

من الناحية الاقتصادية، تبدو إيران هدفاً مثالياً لهذا النوع من المقاربات. فالاقتصاد منهك، والعملة المحلية فقدت كثيراً من قوتها الشرائية، والاستثمار الاستراتيجي تراجع تحت وطأة عقود من العزلة والعقوبات. غير أن تحويل هذا الضعف الاقتصادي إلى تنازل سياسي ليس عملية ميكانيكية. هنا تكمن المعضلة: تفترض سياسة ترامب أن الضائقة المالية كافية لتغيير السلوك، بينما ترى طهران أن النفوذ والردع ضمانة بقاء لا بنداً قابلاً للبيع.

لم تتأسس شرعية النظام في طهران على وعد الرفاه وحده، بل على سردية الثورة والمقاومة وبناء مجال نفوذ إقليمي يمنحه أدوات ضغط ومساومة. لذلك، قد يكون المال مغرياً، لكنه لا يكفي بالضرورة لتغيير تصور النخبة الحاكمة لمصادر أمنها. فالصفقة التي تبدو في الحسابات الأميركية عرضاً لا يُرفض، قد تُقرأ في طهران بوصفها محاولة لشراء عناصر القوة التي بُنيت بكلفة سياسية وأمنية عالية على مدى عقود.

أخبار ذات صلة

سفينة تعبر مياه «مضيق هرمز»، 25 يونيو 2025

ترامب: سفن بدأت مغادرة مضيق هرمز والنفط يتدفق مجدداً

إرث 2015 وظلال الماضي

ويقدم التاريخ القريب دليلاً على حدود الرهان على المال وحده. فبعد الاتفاق النووي عام 2015 في عهد باراك أوباما، استعادت إيران جزءاً مهماً من أصولها المجمدة، وعادت مبيعات النفط إلى مساحات أوسع من السوق العالمي، وبدت لحظة الانفتاح المالي كأنها فرصة لإعادة ضبط العلاقة بين طهران والغرب.

لكن التدفقات المالية لم تُحدث التحول الاستراتيجي المأمول. فقد واصلت طهران تطوير برامجها الصاروخية وترسيخ شبكات نفوذها الإقليمي، بما كشف أن المال قد يخفف الضغط، لكنه لا يبدل بالضرورة العقيدة. وهذا ما يجعل المقاربة الترامبية أكثر مخاطرة: فهي لا تراهن فقط على إغراء اقتصادي، بل على أن الخصم سيعيد تعريف أمنه ومكانته من خلال دفتر حسابات تجاري.

اليوم، تتجه الأنظار لمعرفة ما إذا كانت الـ300 مليار دولار قادرة على إحداث الاختراق الذي عجزت عنه مليارات الأمس. غير أن السؤال الأعمق لا يتعلق بحجم المبلغ، بل بحدود الفكرة ذاتها: هل يستطيع المال أن يشتري أمناً مستداماً؟ وهل تكفي لغة الصفقات لتفكيك عقيدة أمنية تشكلت في بيئة صراع وأيديولوجيا ونفوذ؟

في سياسة ترامب، تبدو الإجابة المبدئية واضحة: كل شيء قابل للتفاوض إذا كان الثمن مناسباً. أما في الشرق الأوسط، فليست كل الأشياء تُشترى، ولا كل المخاوف تُباع.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف