logo
مقالات الرأي

عندما تصبح الاستدامة جزءاً من العمارة نفسها

عندما تصبح الاستدامة جزءاً من العمارة نفسها
مجموعة من الأبراج السكنية والتجارية في وسط مدينة دبي كما بدت من قمة «برج خليفة» يوم 23 ديسمبر 2023.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

لسنوات عديدة، اقتصر المفهوم السائد للمباني منخفضة الانبعاثات الكربونية إلى حد كبير على المباني التي تستهلك قدراً أقل من الطاقة، إذ تمحورت مؤشرات التقدّم الذي ينبغي إحرازه حول أنظمة التبريد المتطورة، وحلول الإضاءة الأكثر كفاءة، وانخفاض استهلاك الكهرباء.

غير أن دول مجلس التعاون الخليجي باتت اليوم في وضع يتيح لها تجاوز هذه المعايير التقليدية، إذ سيتعيّن على الجيل المقبل من المباني طرح أسئلة أكثر جوهرية: كيف يمكن للتصميم المعماري أن يقلل الانبعاثات الكربونية قبل الحاجة إلى تدخل التكنولوجيا؟ وكيف يمكن للمبنى أن يواصل أداء مهامه بذكاء وكفاءة على مدى عقود من الزمان؟

تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط حيث تستحوذ عمليات التبريد على ما يقارب نصف ذروة الطلب على الكهرباء ونحو ربع إجمالي الطلب السنوي عليها، ومن المتوقع أن تظل المحرك الأكبر لنمو الطلب الإقليمي على الكهرباء حتى عام 2035.

جناح شركة «تبريد» الإماراتية في المؤتمر العالمي للمرافق في العاصمة أبوظبي، يوم 10 مايو 2023.
جناح شركة «تبريد» الإماراتية في المؤتمر العالمي للمرافق في العاصمة أبوظبي، يوم 10 مايو 2023.المصدر: حساب الشركة عبر «إكس».

الطاقة الذكية هي التي لا يحتاجها المبنى 

تُحدث مجموعة من العوامل المختلفة - مثل توجيه المبنى، التظليل، الزجاج، وتصميم الواجهات - تغييراً جذرياً في كمية الحرارة التي يتعيّن على المبنى التعامل معها.

لذلك، ينبغي أن يطرح التصميم منخفض الانبعاثات الكربونية في دول مجلس التعاون الخليجي السؤال التالي: ما هو حجم حمل التبريد الذي يمكن للهندسة المعمارية إلغاؤه قبل اللجوء إلى الأنظمة الميكانيكية؟ 

أظهرت دراسة أُجريت العام 2025 على نماذج أولية لمنازل عالية الكفاءة في دبي أن الأشكال المدمجة، والتزجيج الديناميكي والتظليل الإستراتيجي أسهمت في تقليل اكتساب الحرارة.

كما سمحت بعض أنظمة الجدران بمرور حرارة أقل بنسبة تتراوح بين 54% و 79% مقارنة بالحد الأقصى المسموح به وفقاً لكود دبي للبناء.

أخبار ذات صلة

منصة حفر بحرية تابعة لشركة «مبادلة للطاقة»

«مبادلة للطاقة» الإماراتية تخفض انبعاثاتها 31% وتواصل تعزيز الاستدامة

وفي السعودية، كشفت دراسة أجريت على فيلا نموذجية أن بإمكان تقنيات التبريد السلبي، أو الطبيعي، خفض استهلاك الطاقة المخصصة للتبريد بنحو 22%.

سيظل للتكنولوجيا دائماً دورٌ مهم، ولكن لا ينبغي الاستناد عليها لتعويض قرارات تصميمية كان يمكن تجنبها، فالمباني الأكثر كفاءة في خفض انبعاثات الكربون هي تلك التي تعمل فيها العمارة أولاً على تقليل الطلب على الطاقة، بينما تلبّي التكنولوجيا وتدعم الاحتياجات المتبقية.

البصمة الكربونية للمبنى تبدأ قبل اكتماله 

لا يقتصر تركيز التصميم منخفض الانبعاثات الكربونية على أداء المبنى بعد بدء استخدامه فقط، إذ يتحدد جزء كبير من أثره البيئي مسبقاً بناءً على المواد المستخدمة، طرق إنتاجها، والكميات المطلوبة منها للمشروع.

بالنسبة لمنطقة تشهد وتيرة تطويرات معمارية هائلة بحجم دول مجلس التعاون الخليجي، تستحق هذه الخيارات الأولية اهتماماً أكبر بكثير.

أظهرت دراسة تمّ إجراؤها على مبنى مكون من ثلاثة طوابق في دبي أن اختيار مواد ذات بصمة كربونية أقل في مراحل مبكرة من عملية التصميم يسهم بتقليل ما يقارب 26% من الكربون الكامن، أي الكربون المرتبط بمواد البناء وعمليات التصنيع. 

تتجه سياسات دولة الإمارات العربية المتحدة نحو هذا المسار، حيث قيّمت خريطة طريق خفض الانبعاثات الكربونية في القطاع الصناعي أكثر من 50 حلاً تشمل استخدام طاقة أنظف، وإعادة التدوير، واعتماد بدائل للأسمنت ذات بصمة كربونية أقل، مع إمكانية خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 90 مليون طن سنوياً.

أخبار ذات صلة

دخان يتصاعد من مصفاة شركة شل للنفط في فيسيلينغ، ألمانيا، يوم 26 يناير 2024

تجارة الكربون.. عندما يصبح التلوث فرصة للاستثمار

يتيح هذا الأمر لفرق التصميم فرصة لتجاوز المعايير التقليدية التي تقتصر على مدى ملاءمة المادة للجانب الجمالي والميزانية، إذ ينبغي أن يصبح مصدر المواد المستخدمة، ومستوى كثافة الكربون المرتبط بها، وإمكانية استخدام مادة بديلة تحقق الأداء ذاته، قضايا رئيسية وجزءًا أساسياً من أي نقاش يتعلقّ بالتصميم.

مرحلة الحصول على تصنيف الاستدامة ليست سوى نقطة الانطلاق

لا يمكن تصميم الجيل القادم من المباني منخفضة الانبعاثات الكربونية بحيث تقتصر كفاءة أدائها على يوم اكتمال بنائها، بل يتعين مواصلة التعلم من واقع استخدامها الفعلي والتكيف بناءً على ذلك.

تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي ركائز قوية تدعم هذا التحوّل، إذ تفرض مبادرة «السعفات» في دبي متطلبات إلزامية للاستدامة في المباني الجديدة، بينما يُقيّم برنامج «مستدام» في السعودية جوانب متعددة تشمل كفاءة استهلاك الطاقة والمياه وجودة البيئة الداخلية. ورغم أن هذه الأطر تضع أساساً مهماً، إلا أن الحصول على الشهادة يمثل بداية لرحلة مستمرة من تحسين الأداء.

أخبار ذات صلة

خلال توقيع مذكرة التفاهم بين مركز أبوظبي العقاري و«Hub71» في العاصمة الإماراتية.

«أبوظبي العقاري» يتعاون و«Hub71» لتعزيز التكنولوجيا في القطاع العقاري

هنا يأتي دور التكنولوجيا في الارتقاء بتصاميم المباني منخفضة الكربون إلى آفاق جديدة، إذ تتيح أنظمة إدارة المباني المدعومة بالذكاء الاصطناعي استجابة أكثر ذكاءً للمتغيرات المحيطة، بينما تضمن تقنيات التحكم الدقيق في المناخ ضبط درجات الحرارة والرطوبة بمستويات مثالية دون هدر للطاقة.

علاوة على ذلك، تتيح أنظمة المراقبة الفورية تتبع مؤشرات حيوية، مثل جودة المياه وأداء الأنظمة؛ ما يُمكّن فرق العمل من رصد أوجه القصور وإجراء التعديلات اللازمة في وقت مبكر.

التجديد البيئي هو الخطوة التالية

تساعد التكنولوجيا المباني على استهلاك موارد أقل بمرور الوقت، إلا أن المرحلة التالية في تطور التصميم منخفض الكربون ينبغي أن تتجاوز ذلك.

يوسّع التصميم التجديدي المعزز للعمر الصحي نطاق الطموح عبر طرح تساؤل مفاده: هل يمكن للتطوير العمراني أن يتخطى مجرد الحد من الأثر البيئي، ليبدأ في تقديم مساهمة إيجابية للمكان؟

أخبار ذات صلة

مركز الملك عبد الله المالي (KAFD) في العاصمة السعودية الرياض يوم 29 أغسطس 2025

السعودية تدشّن أنشطة الصناعات البيئية

على سبيل المثال، يُعد منتجع ديزرت روك في السعودية نموذجاً لكيفية تحويل هذا الفكر إلى مشروع واقعي ومكتمل، فبدلاً من فرض هيكل تقليدي على المشهد الطبيعي، تمّ دمج أجزاء كبيرة من المنتجع داخل التكوينات الصخرية القائمة. 

كما أُعيد استخدام المواد المستخرجة أثناء أعمال البناء في الموقع نفسه، في حين أسهمت التهوية الطبيعية وضوء النهار في خفض الطلب على الطاقة.

فضلاً عن ذلك، يعتمد تشغيل المنتجع بالكامل على الطاقة الشمسية.

مركز الملك عبدالله المالي في الرياض، السعودية، 16 أبريل 2023
مركز الملك عبدالله المالي في الرياض، السعودية، 16 أبريل 2023المصدر: «أ ف ب»

يوسّع هذا كلّه من الآفاق التي يمكن أن يصبو إليها التطوير والتصميم منخفض الانبعاثات الكربونية، ففي حين يظل خفض استهلاك الطاقة وتقليل الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالمواد المستخدمة وعمليات البناء أمراً جوهرياً، ينبغي أن يتمثل الطموح طويل الأمد في إبداع مبانٍ تتفاعل مع بيئتها وتجعلها أكثر قوة ومتانة بمرور الوقت.

أما التحول الأهم فيكمن في الآتي: ينبغي ألا يقتصر مفهوم انخفاض الانبعاثات الكربونية على كونه مجرد سمة يحققها المبنى، بل يجب أن يصبح جزءاً أصيلاً من هوية المبنى ذاته. حين يتحقق ذلك، لن تعود الاستدامة مجرد إضافة تكميلية للعمارة، بل ستصبح هي العمارة بحد ذاتها.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف