
تدخل شركات التكنولوجيا مرحلة جديدة من المنافسة، لم يعد التفوق فيها مرتبطاً بتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قدرة فقط، بل بتحويل هذه النماذج إلى أجهزة يستطيع المستهلك لمسها وشراؤها واستخدامها يومياً.
ومع اقتراب موسم العطلات، طرحت «أبل» و«أمازون» و«مايكروسوفت» مجموعة من الأجهزة التي تدمج المساعدات الذكية في الحواسيب والأجهزة اللوحية ومنظومات المنزل المتصل. لكن الإطلاقات الجديدة تفتح سؤالاً اقتصادياً يتجاوز المواصفات التقنية: هل أصبح الذكاء الاصطناعي سبباً كافياً لاستبدال الأجهزة الحالية ودفع أسعار أعلى؟
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ظل ارتفاع أسعار شرائح الذاكرة والتخزين، وتراجع ثقة المستهلكين الأميركيين، واتجاه الأسر إلى تقليص مشترياتها مرتفعة الثمن.
تراهن «مايكروسوفت» على سوق تختلف عن الأجهزة الاستهلاكية التقليدية، من خلال حاسوب «سيرفس لابتوب ألترا» المزود بتقنيات «إنفيديا آر تي إكس سبارك»، والقادر على تشغيل نماذج وتطبيقات ذكاء اصطناعي محلياً.
ويبدأ سعر الجهاز من 2599 دولاراً، مع إتاحة ذاكرة موحدة تصل إلى 128 غيغابايت، ويستهدف بصورة أساسية المطورين والمتخصصين في التصميم وصناعة المحتوى والمستخدمين الذين يحتاجون إلى تشغيل نماذج ووكلاء ذكاء اصطناعي متقدمين.
وتتمثل الفكرة الاقتصادية في تقليل الاعتماد على الحوسبة السحابية المدفوعة، إذ يستطيع المطور تجربة النماذج ومعالجة البيانات على الجهاز من دون دفع تكلفة سحابية مقابل كل عملية.
لكن السعر يضع المنتج خارج نطاق غالبية المستهلكين، ويجعله أقرب إلى محطة عمل محمولة منه إلى حاسوب شخصي جماهيري. ولذلك يمثل الجهاز اختباراً لقدرة «مايكروسوفت» على إقناع المحترفين بأن التوفير المحتمل في تكاليف السحابة والإنتاجية الإضافية يبرران دفع سعر أولي مرتفع.
تتبنى «أمازون» استراتيجية مختلفة، عبر التخلص تدريجياً من عائلة «فاير» منخفضة التكلفة وإطلاق ثلاثة أجهزة لوحية جديدة تعمل بنظام «أندرويد» وتوفر الوصول إلى متجر «غوغل بلاي»، مع دمج مساعد «أليكسا بلس».
وتبدأ أسعار المجموعة من 229.99 دولار لجهاز «أليكسا تابلت 8»، وترتفع إلى 329.99 دولار لجهاز «أليكسا تابلت 11». أما «أليكسا تابلت 12 برو» فيبدأ من 499.99 دولار، بينما يصل سعر نسخة «نانومات» ذات الشاشة المضادة للانعكاس إلى 549.99 دولار.
ويمثل ذلك تحولاً كبيراً عن استراتيجية أجهزة «فاير»، التي اعتمدت على أسعار منخفضة لجذب المستخدمين إلى خدمات «أمازون». وكان سعر جهاز «فاير إتش دي 10» يبدأ من نحو 155 دولاراً، ما يعني أن سعر الجهاز اللوحي الجديد الأعلى يزيد على ثلاثة أمثال سعره تقريباً، مع اختلاف المواصفات والفئة المستهدفة.
ولا تقوم المراهنة على الأجهزة وحدها، إذ تستخدم «أمازون» المجموعة الجديدة لتوسيع انتشار «أليكسا بلس»، الذي يقدم إجابات مخصصة ويتفاعل مع التطبيقات والمحتوى الظاهر على الشاشة ويساعد المستخدم في تنفيذ المهام.
لكن الوصول الكامل إلى المساعد التوليدي على الأجهزة يتطلب عضوية «برايم» أو اشتراكاً في «أليكسا بلس». ويبلغ سعر الاشتراك المستقل 19.99 دولار شهرياً، بينما يحصل عليه أعضاء «برايم» من دون رسوم إضافية. aboutamazon.com
وبذلك، لا تقيس «أمازون» نجاح المنتج بعدد الأجهزة المبيعة فقط، بل بقدرته على جذب المستخدم إلى خدماتها واشتراكاتها ومتاجرها الرقمية.
دخلت «أبل» المنافسة بجهاز «هوم فيو»، وهو مركز منزلي ذكي مزود بشاشة قياسها سبع بوصات، ويبلغ سعره 299 دولاراً، على أن تبدأ عملية طرحه في الأسواق المحددة في 13 نوفمبر 2026.
ويمكن تثبيت الجهاز على الحائط أو وضعه على سطح، ويعمل من خلال مساعد «سيري» المطور بالذكاء الاصطناعي، ويوفر التحكم في الأقفال وأجهزة التدفئة والكاميرات والأجهزة المنزلية المتوافقة.
ويتعرّف «هوم فيو» إلى وجوه وأصوات ما يصل إلى ستة أفراد، ثم يعرض المعلومات المرتبطة بكل مستخدم، مثل الرسائل والمواعيد وقوائم التسوق. وتقول «أبل» إن البيانات الشخصية تبقى مخزنة على هاتف المستخدم، ويشترط وجود الهاتف والجهاز على الشبكة المنزلية نفسها لتشغيل بعض وظائف التخصيص. Reuters
ويحاول الجهاز معالجة مشكلة واجهت سوق المنزل الذكي لسنوات، تتمثل في تعدد التطبيقات وتعقيد التحكم في الأجهزة. لكن سعره أعلى من أسعار عدد من الشاشات المنزلية المنافسة، ما يعني أن نجاحه سيعتمد على قدرة «سيري» على تقديم تجربة أكثر فائدة من استخدام الهاتف أو الجهاز اللوحي الموجود بالفعل في المنزل.
كما قد تتحول بعض وظائفه إلى بوابة لزيادة إيرادات الخدمات. فتخزين تسجيلات الكاميرات عبر «هوم كيت سيكيور فيديو» يحتاج إلى اشتراك «آي كلاود بلس»، مع اختلاف عدد الكاميرات المدعومة بحسب الخطة.
تشمل موجة الأجهزة الجديدة أيضاً «آيفون ديو»، أول هاتف قابل للطي من «أبل»، والذي يبدأ سعره من 1999 دولار، مع بدء التوافر في الأسواق في 23 أكتوبر 2026.
ويضم الهاتف شاشة داخلية قياسها 7.6 بوصة وشاشة خارجية قياسها 5.4 بوصة، ويسمح بتشغيل تطبيقين جنباً إلى جنب، إلى جانب دمج «أبل إنتليجنس» و«سيري» في واجهته. Apple (AE)
ولا يعتمد تسويق الهاتف على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على الجمع بين الهاتف والجهاز اللوحي في منتج واحد. غير أن سعره يضعه ضمن الفئة الفاخرة، ويجعل حجم الطلب عليه مؤشراً إلى قدرة «أبل» على دفع المستهلكين إلى قبول مستويات سعرية أعلى مقابل تصميم جديد ووظائف إنتاجية إضافية.
تأتي هذه الإطلاقات بينما يرفع ازدهار مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الطلب على شرائح الذاكرة والتخزين، ما يؤدي إلى منافسة بين الخوادم والأجهزة الاستهلاكية على المكونات نفسها.
وكانت «رويترز» قد نقلت عن جهات صناعية تحذيرات من أن نقص شرائح الذاكرة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الحواسيب والهواتف والمنتجات الإلكترونية. كما وجد المصنعون أنفسهم أمام خيارين: تمرير زيادة التكلفة إلى المستهلك أو قبول هوامش ربح أقل.
وظهرت آثار هذه الضغوط بالفعل في سوق الهواتف، إذ تراجعت الشحنات العالمية بنسبة 20% خلال الربع الثالث من 2026، مسجلة أضعف أداء لهذا الربع منذ 2012، في ظل ارتفاع أسعار الذاكرة واحتفاظ المستهلكين بأجهزتهم لفترات أطول. reuters.com
وبذلك يواجه القطاع مفارقة واضحة: الذكاء الاصطناعي يمنح الشركات سبباً لتسويق أجهزة جديدة، لكنه يرفع في الوقت نفسه تكلفة المكونات اللازمة لتصنيعها.
تدخل الأجهزة الجديدة السوق في وقت تراجعت فيه ثقة المستهلك الأميركي إلى مستويات متدنية، وقال 54% من المشاركين في استطلاع حديث إنهم يعتزمون تقليص مشترياتهم مرتفعة الثمن. reuters.com
وهذا يعني أن وجود ميزة تحمل اسم الذكاء الاصطناعي لن يكون كافياً وحده لتحريك الطلب. فالمستهلك سيقارن بين سعر الجهاز والفائدة التي يحصل عليها فعلياً، وبين شراء منتج جديد والاستمرار في استخدام هاتف أو حاسوب أو جهاز لوحي يؤدي معظم الوظائف الأساسية.
وبالنسبة إلى الشركات، قد لا يُقاس نجاح الجيل الأول من هذه المنتجات بالمبيعات وحدها. فالأجهزة تساعدها أيضاً على اختبار سلوك المستخدمين، وتحسين المساعدات الذكية، وترسيخ حضورها داخل المنازل وأماكن العمل، وبناء أسواق مستقبلية للاشتراكات والخدمات.
لكن الاختبار التجاري سيبقى مرتبطاً بسؤال مباشر: هل يحل الذكاء الاصطناعي مشكلة تستحق شراء جهاز جديد، أم يُستخدم لتبرير أسعار أعلى في سوق يتجه مستهلكوها إلى الاحتفاظ بأجهزتهم لفترة أطول؟