
تخيل شاحنة شيفروليه سيلفرادو ضخمة، تحتفظ بمقدمتها المعروفة وعجلاتها الخلفية المزدوجة، لكنها تفتقد شيئًا أساسيًا: مقصورة القيادة. هذا ما كشفته شركة GM Defense، التابعة لجنرال موتورز، خلال معرض رابطة الجيش الأميركي (AUSA) في واشنطن، يوم 12 أكتوبر 2026. فالمركبة الجديدة لا تحتاج إلى سائق خلف المقود، لأنها صُممت لتنفيذ مهام عسكرية تشمل نقل الإمدادات وإجلاء المصابين. لكن أهمية المشروع لا تقتصر على القيادة الذاتية. فجنرال موتورز تختبر مفهومًا مختلفًا للمركبات العسكرية، يستفيد من هندسة الشاحنات التجارية لإعادة تصميم المركبة حول المهمة المطلوبة، بدل احتياجات السائق والركاب.
تعتمد المركبة الاختبارية على البنية الهندسية لشيفروليه سيلفرادو 3500HD، المزودة بعجلات خلفية مزدوجة، مع تصميم مسطح يُعرف باسم "سكيتبورد"، يسمح بتركيب تجهيزات مختلفة فوق الهيكل. واختفت المقصورة التقليدية لتحل محلها منصة مفتوحة قابلة للتجهيز وفق طبيعة المهمة، سواء لنقل المعدات والإمدادات أو حمل أنظمة إلكترونية متخصصة. وبحسب تصريحات مسؤولي GM Defense للصحافة الدفاعية، تستطيع المنصة التعامل مع حمولة تصل إلى 8000 رطل، أي نحو 3.6 طن. غير أن هذه القدرة المعلنة لا تعني اكتمال الاختبارات التشغيلية أو اعتماد المركبة للاستخدام العسكري.
تعتمد المركبة على تقنية التحكم الإلكتروني المعروفة باسم Drive-by-Wire، التي تسمح بإرسال أوامر التوجيه والتسارع والكبح عبر أنظمة إلكترونية. وتتعاون GM Defense مع شركة Scout AI لاستخدام منظومة Gx Ground Agent للقيادة الذاتية، ضمن بنية تقنية مفتوحة تتيح دمج أجهزة الاستشعار وأنظمة التحكم والتجهيزات المرتبطة بالمهمة. وتمنح هذه المرونة الشركة إمكانية تطوير استخدامات مختلفة للمنصة، دون ربط تصميمها بتجهيز واحد. لكن الانتقال من نموذج معروض إلى مركبة قادرة على تنفيذ مهام مستقلة في الميدان يتطلب اختبارات إضافية. وتستهدف GM Defense إجراء تجارب وظيفية خلال عام 2027. ووفق تصريحات نقلتها Defense Daily، تسعى الشركة إلى تجهيز نموذج تقني قابل للعرض بحلول يونيو من العام نفسه، من دون وجود موعد محدد لتسليمه إلى الجيش للاختبار.
قد لا تحظى مهام نقل الإمدادات بالاهتمام الذي تحظى به المركبات القتالية، لكنها أساسية لاستمرار العمليات العسكرية. فنقل المعدات والذخيرة والمؤن، وكذلك إجلاء المصابين، قد يتطلب عبور مناطق تشكل خطرًا على الأفراد. ومن هنا تأتي فكرة المركبات الأرضية غير المأهولة: تنفيذ بعض مهام النقل مع تقليل الحاجة إلى وجود سائق داخل المركبة. وقد عرضت GM Defense نموذج سيلفرادو مع تجهيزات توضح إمكانية استخدام المنصة لحمل أجهزة استشعار وأنظمة للتعامل مع الطائرات المسيّرة. لكن ظهور هذه المعدات على النموذج لا يعني اعتمادها تجهيزات نهائية أو إثبات فاعليتها في ظروف القتال.
لا تقتصر وظيفة المركبة على نقل الحمولة، فهي مصممة أيضًا لتوفير الطاقة للمعدات التي تحملها. ووفق معلومات نشرتها Defense Daily استنادًا إلى تصريحات الشركة، تتضمن المنصة بطارية بسعة 102 كيلوواط/ساعة، تعتمد على تقنية بطاريات جنرال موتورز، مع إمكانية تغذية الأنظمة الخارجية بالكهرباء. كما تدعم وضعية تشغيل هادئة عند توقف المركبة، تتيح تشغيل المعدات دون الحاجة إلى تشغيل محرك الاحتراق باستمرار. ولا تعني هذه الخاصية أن سيلفرادو الجديدة كهربائية بالكامل، أو أنها تستطيع تنفيذ جميع مهامها بصمت. ومن المهم التمييز بينها وبين منظومة EPIQ Hybrid، التي عرضتها GM Defense في المعرض نفسه، بسعة تخزين تبلغ 100 كيلوواط/ساعة وقدرة 60 كيلوواط، فهي مشروع منفصل لتوفير الطاقة الميدانية.
بدل تطوير مركبة عسكرية بالكامل من الصفر، اختارت GM Defense الاستفادة من منصة تجارية معروفة، وسلاسل التوريد والخبرات التصنيعية المتاحة داخل جنرال موتورز. ويرى رئيس الشركة، ستيف دومون، أن نقل التقنيات الصناعية القائمة إلى التطبيقات الدفاعية يساعد على تسريع التطوير وتوسيع الإنتاج. ولدى الشركة تجربة سابقة في هذا الاتجاه من خلال مركبة Infantry Squad Vehicle، المستندة إلى شيفروليه كولورادو. ووفق بيان جنرال موتورز، ارتفع احتياج الجيش الأميركي المخطط لهذه المركبات من نحو 649 مركبة إلى قرابة 12 ألفًا، وهو رقم يعبر عن الاحتياج المستهدف، لا عدد المركبات المسلّمة بالفعل. أما سيلفرادو غير المأهولة، فلا تزال مشروعًا منفصلًا في مرحلة التطوير.
تعمل GM Defense على تطوير سيلفرادو في وقت يختبر فيه الجيش الأميركي حلولًا مختلفة للمركبات الروبوتية المخصصة للدعم اللوجستي. وبحسب Defense Daily، لم تكن الشركة ضمن الجهات الخمس التي اختيرت للمرحلة الأولى من جهود تطوير مركبات الإمداد غير المأهولة؛ إذ لم يكن مشروعها جاهزًا ضمن الجدول الزمني المطلوب. ومع ذلك، واصلت تطوير المنصة بهدف عرض قدراتها لاحقًا. وهذا يوضح أن الكشف عن المركبة لا يمثل فوزًا بعقد عسكري، بل محاولة لدخول مجال تتنافس فيه شركات تمتلك مستويات مختلفة من الجاهزية التقنية.
تواجه القيادة الذاتية في البيئات العسكرية تحديات تتجاوز السير على الطرق العامة، من التضاريس غير الممهدة والعوائق المتغيرة إلى صعوبات الاتصال والظروف الجوية. ولذلك ستكون اختبارات 2027 مهمة لتقييم قدرة المركبة على تنفيذ المهام المطلوبة بصورة موثوقة. ولم تعلن GM Defense حتى الآن سعرًا نهائيًا أو موعدًا لبدء الإنتاج. تكشف سيلفرادو الجديدة عن فكرة هندسية لافتة: عندما تختفي الحاجة إلى مقصورة القيادة، يمكن إعادة توزيع المساحة والحمولة والطاقة حول وظيفة المركبة نفسها. لكن ما عرضته جنرال موتورز ليس شاحنة عسكرية ذاتية القيادة جاهزة للخدمة، بل منصة تطويرية تسعى لإثبات جدوى هذا المفهوم. وبين خبرة صناعة السيارات ومتطلبات الميدان العسكري، يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الفكرة إلى قدرة تشغيلية مثبتة.