logo
مقالات الرأي

الذكاء الاصطناعي التنفيذي يعيد تشكيل بيئة العمل داخل المؤسسات

الذكاء الاصطناعي التنفيذي يعيد تشكيل بيئة العمل داخل المؤسسات
الحرفان الأولان من كلمتي «ذكاء اصطناعي» على اللوحة الأم لحاسوب في صورة ملتقطة يوم 23 يونيو 2023.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

لسنوات عديدة، تمحور الحديث حول الذكاء الاصطناعي في المؤسسات حول جانب «المساعدة»، إذ قُدّمت هذه التقنية باعتبارها وسيلة لتمكين الموظفين من الكتابة والبحث والتحليل بوتيرة أسرع، فضلاً عن اتخاذ قرارات أفضل. ورغم أن تلك الخطوة كانت مهمة، إلا أنها لم تُحدث أي تغييرات ملحوظة في الهيكل الأساسي لبيئة العمل. في غالبية المؤسسات، لا يزال الموظفون يتحملون عبء المهام التشغيلية المتكررة في مختلف الأقسام، بدءً من المالية والموارد البشرية والمشتريات إلى دعم العملاء والامتثال التنظيمي، فبمقدور البرمجيات توجيه مسار العمليات، غير أن الموظف كان يظل هو المسؤول عن إتمامها وتنفيذها فعلياً.

ندخل الآن مرحلةً لم يعد فيها الذكاء الاصطناعي مقتصراً على دعم سير العمل من بعيد، بل يتم الاعتماد عليه لتنفيذ مهام محددة للغاية. وفقاً لتوقعات مؤسسة غارتنر، ستتضمن 33% من تطبيقات برامج المؤسسات ذكاءً اصطناعياً فاعلاً بحلول عام 2028، مقارنةً بأقل من 1% في عام 2024. يشير هذا التوقع إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يتبلور كبنية تحتية تشغيلية مُدمجة في آليات العمل اليومية.

أخبار ذات صلة

شعار شركة «كوين بيس» على هاتف محمول يحمل رمز العلامة التجارية للشركة في بروكسل، بلجيكا، يوم 11 فبراير 2026.

«كوين بيس» تُسرّح 14% من موظفيها وسط اعتماد أوسع على الذكاء الاصطناعي

اقتصاديات تنفيذ الذكاء الاصطناعي

وعدت الأتمتة التقليدية بالكفاءة، لكنها في الواقع اعتمدت غالباً على التكامل المكثّف للأنظمة، التخطيط غير المرن للعمليات، دورات النشر الطويلة وفرق متخصصة لصيانتها، وهو ما جعل بناء الأتمتة مكلفاً وتوسيع نطاقها في المؤسسة أمراً صعباً. يغيّر موظفو الذكاء الاصطناعي القابلون للنشر هذه المعادلة فهم يُتيحون للشركات إسناد مهام مُهيكلة إلى أنظمة مستقلة قادرة على العمل عبر الأدوات والبيئات الحالية بمرونة أكبر بكثير. تظهر القيمة في انخفاض تكاليف التشغيل، وزيادة الإنتاجية، وتقليل الأخطاء اليدوية، واستمرارية العمل على مدار الساعة، والقدرة على توسيع السعة دون زيادة عدد الموظفين بالمعدل نفسه.

في الواقع، تُقدّر مؤسسة «برايس ووتر هاوس كوبرز» أن الذكاء الاصطناعي قد يُسهم بمبلغ 15.7 تريليون دولار أميركي في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، حيث ترتبط أكثر من 55% من هذه المكاسب بإنتاجية العمل. بالنسبة لكل مؤسسة، يعني هذا أن العمل يُنجز بشكل أسرع وأفضل، وبقدر أقل من المعوقات.

تحوّل مشهد القوى العاملة

كلما بدأت تقنية جديدة في أداء مهام كانت معهودة إلى البشر في السابق، تتصاعد مشاعر القلق بسرعة، وهو أمر مفهوم تماماً. ومع ذلك، لا ينبغي أن يُنظر إلى التأثير المباشر لمفهوم «موظفي الذكاء الاصطناعي» على أنه عملية استبدال شاملة، بل الأجدر فهمه على أنه إعادة لتصميم الأدوار بما يتناسب مع «طبقة تنفيذية» جديدة. لقد أصبحت الأنشطة المتكررة وتلك القائمة على قواعد محددة - والتي تستنزف حصة هائلة من الوقت داخل المؤسسات الكبرى - تسند بشكل متزايد إلى الأنظمة ذاتية التشغيل، ما يتيح للفرق البشرية التركيز بشكل أكبر على إصدار الأحكام، والتعامل مع الحالات الاستثنائية، وإدارة العلاقات مع أصحاب المصلحة، واتخاذ القرارات الاستراتيجية.

لا تختفي القوى العاملة في هذه البيئة، فالمؤسسات الأقوى هي المؤسسات التي تبني نموذجاً هجيناً وموثوقاً، حيث يتولى البشر إدارة النتائج بينما يتولى الذكاء الاصطناعي عبء العمليات بكفاءة وثبات.

تستعد الحكومات الآن لعالم سيؤثر فيه الذكاء الاصطناعي على أسواق العمل والإنتاجية واللوائح التنظيمية والقدرة التنافسية الوطنية. أدركت دولة الإمارات العربية المتحدة هذا الأمر مبكراً من خلال استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031 وتعيين أول وزير دولة في العالم للذكاء الاصطناعي. كما تعمل المملكة العربية السعودية، من خلال الهيئة السعودية للذكاء الاصطناعي، على وضع بنية تحتية راسخة للحوكمة اللازمة لتبني الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. تعكس هذه الخطوات حقيقة أوسع مفادها أن قادة الأعمال ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي في المؤسسات على أنه أكثر من مجرد شراء برامج، بل كجزء لا يتجزأ من سياسات القوى العاملة والتخطيط الاقتصادي والمرونة المؤسسية.

أخبار ذات صلة

حروف الذكاء الاصطناعي (AI) على اللوحة الأم للكمبيوتر في هذه الصورة الملتقطة بتاريخ 23 يونيو 2023.

الذكاء الاصطناعي والأسواق العربية.. كيف ستتغير 8 ملايين وظيفة في 2030؟

إعادة تصميم العمليات داخل المؤسسات

تكتشف العديد من المؤسسات عند بدء هذا التحول أن الذكاء الاصطناعي لا يندمج بسلاسة في سير العمل القديم، بل يُجبرها على إعادة النظر في تصميم عملياتها. على سبيل المثال، قد تتجه وظيفة دعم العملاء نحو حلول مدعومة بالذكاء الاصطناعي للطلبات الروتينية، مع تركيز الفرق البشرية على التصعيدات والحالات الحساسة وتحسين الخدمة. وفي مجال المالية، يمكن للأنظمة المستقلة إدارة عمليات المطابقة بشكل مستمر، بينما يركز المختصون على التحليل والرقابة والتخطيط. وفي مجال المشتريات، يصبح تقييم الموردين عملية مستمرة بدلاً من كونه عملية يدوية دورية. وبمجرد تطبيق التنفيذ المستقل، يجب إعادة تصميم العملية نفسها لتشمل الإشراف والحوكمة والنتائج القابلة للقياس.

لن تثق المؤسسات بموظفي الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع إلا إذا كان الأداء قابلاً للقياس مع الحفاظ على المعايير. أفادت مؤسسات تستخدم فرق الذكاء الاصطناعي المستقلة بانخفاض تكاليف التشغيل بنسبة تصل إلى 80%، وتوفير أكثر من مليوني ساعة عمل يدوية شهرياً، وتسريع تنفيذ العمليات التشغيلية بشكل ملحوظ، مثل الموارد البشرية وخدمة العملاء، مع الحفاظ على معايير الجودة والامتثال المتسقة. تُظهر هذه النتائج أن هذا التحول يتعلق ببناء نموذج تشغيلي يحقق الكفاءة دون المساس بالتحكّم والإشراف.

سيتحدد مستقبل العمل بمدى قدرة المؤسسات على إعادة تصميم نفسها بما يتناسب مع هذا الواقع. لقد غيّرت الحوسبة السحابية طريقة تبنّي الشركات للتكنولوجيا ونشرها، والآن سيُغير موظفو الذكاء الاصطناعي طريقة إدارة المؤسسات للعمل. ستنجح المؤسسات التي تُدرك مبكراً التنفيذ الذاتي كطبقة جديدة من قدرات المؤسسة بتحديد ملامح الجيل القادم من إنتاجية المؤسسات.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف