
يدخل الذكاء الاصطناعي بقوة إلى سوق الطاقة العالمية، لكن تأثيره على أسعار النفط قد يكون أكثر تعقيداً مما يبدو. فطفرة مراكز البيانات ترفع الطلب على الكهرباء والطاقة، إلا أن الذكاء الاصطناعي يساعد في الوقت نفسه شركات النفط على استخراج الخام بكفاءة أكبر وتكلفة أقل، كما يسرّع تطوير الطاقة الشمسية والبطاريات والشبكات الكهربائية والسيارات الكهربائية.
وهنا تظهر مفارقة أساسية: الذكاء الاصطناعي قد يكون إيجابياً لمنتجي النفط من خلال خفض تكاليفهم، لكنه ليس بالضرورة إيجابياً لسعر النفط نفسه؛ لأنه يمكن أن يزيد المعروض ويسرّع في الوقت ذاته تطوير بدائل الخام.
ويتوقف تأثير هذه الثورة التكنولوجية على الأسعار خلال العقد المقبل بدرجة كبيرة على نتيجة سباق بين قوتين: الطلب الإضافي على الطاقة الذي يخلقه الذكاء الاصطناعي، والزيادة في كفاءة إنتاج واستهلاك الطاقة التي يمكن أن تحققها التكنولوجيا نفسها.
وعلى المدى القصير وحتى نهاية العقد الحالي، أي حتى 2030 تقريباً، قد يكون الأثر الصافي للذكاء الاصطناعي محايداً إلى إيجابي بصورة محدودة بالنسبة إلى أسواق الطاقة، مع الارتفاع السريع في استهلاك الكهرباء والاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بها. لكن النفط قد يستفيد بصورة غير مباشرة فقط؛ لأن الجزء الأكبر من الكهرباء الإضافية سيأتي من الغاز والطاقة المتجددة والفحم والطاقة النووية.
الاعتقاد بأن طفرة الذكاء الاصطناعي ستقود تلقائياً إلى طفرة مماثلة في الطلب على النفط يحتاج إلى الحذر؛ لأن مراكز البيانات تستهلك الكهرباء وليس النفط بصورة مباشرة.
وبحسب وكالة الطاقة الدولية، استهلكت مراكز البيانات نحو 415 تيراواط/ساعة من الكهرباء خلال 2024، بما يعادل نحو 1.5% من الاستهلاك العالمي للكهرباء، بعدما نما استهلاكها بنحو 12% سنوياً خلال السنوات الخمس السابقة.
وتتوقع الوكالة ارتفاع الكهرباء المطلوبة لتشغيل مراكز البيانات من نحو 460 تيراواط/ساعة في 2024 إلى أكثر من 1,000 تيراواط/ساعة بحلول 2030 ونحو 1,300 تيراواط/ساعة في 2035.
لكن النفط لن يكون المستفيد الأكبر من هذه الزيادة.
فبحسب وكالة الطاقة الدولية، ستوفر مصادر الطاقة المتجددة قرابة نصف الزيادة في الكهرباء المطلوبة لمراكز البيانات خلال السنوات الخمس المقبلة، يليها الغاز الطبيعي والفحم، بينما يتزايد دور الطاقة النووية قرب نهاية العقد وما بعده.
وهذا يعني أن طفرة الذكاء الاصطناعي تمثل دفعة مباشرة للطلب العالمي على الكهرباء، لكنها لا تعني بالضرورة زيادة مماثلة في استهلاك الخام. لكن هناك جانباً آخر من المعادلة قد يكون أكثر أهمية بالنسبة إلى النفط على المدى الطويل، وهو أن الذكاء الاصطناعي لا يستهلك الطاقة فقط، وإنما يمكن استخدامه أيضاً لإنتاج الطاقة النظيفة بصورة أرخص وأكثر كفاءة.
بحسب تقرير «Oil 2025» الصادر عن وكالة الطاقة الدولية، من المتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على النفط بنحو 2.5 مليون برميل يومياً فقط بين 2024 و2030، ليستقر قرب 105.5 مليون برميل يومياً بنهاية العقد.
وتتوقع الوكالة تباطؤ النمو السنوي بصورة واضحة خلال النصف الثاني من العقد، وصولاً إلى انخفاض طفيف في 2030، مع تزايد إحلال الكهرباء والغاز والطاقة المتجددة محل النفط في النقل وتوليد الكهرباء.
لكن هذه النظرة ليست محل إجماع.
فمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» تقدم صورة مختلفة جذرياً؛ إذ تتوقع ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة بنحو 23% حتى 2050، مع استمرار نمو استهلاك الخام إلى نحو 124 مليون برميل يومياً بحلول منتصف القرن.
وتقدر المنظمة أن صناعة النفط ستحتاج إلى استثمارات تراكمية بنحو 17.7 تريليون دولار بين 2026 و2050، أو أكثر من 700 مليار دولار سنوياً في المتوسط، لتلبية الطلب المتوقع.
إذا أدى الذكاء الاصطناعي في النهاية إلى عالم يجمع بين نمو أبطأ للطلب وإنتاج أكثر كفاءة، فإن انخفاض الأسعار لن يؤثر في جميع المنتجين بالطريقة نفسها، وستصبح تكلفة البرميل عاملاً أكثر أهمية في تحديد الرابحين والخاسرين.
وهنا تتمتع السعودية والإمارات بميزة كبيرة تتمثل في الحقول عالية الإنتاجية والموارد الضخمة، إلى جانب القدرة المالية والتكنولوجية على الاستثمار في الرقمنة والذكاء الاصطناعي. وبحسب تقرير «الاستثمار العالمي في الطاقة 2025» الصادر عن وكالة الطاقة الدولية، تمتلك منطقة الشرق الأوسط بعضاً من موارد النفط والغاز الأقل تكلفة في العالم، ما يمنح المنتجين الخليجيين قدرة أكبر على التأقلم مع فترات انخفاض الأسعار.