logo
مقالات الرأي

أزمة خفية.. «فقدان المعلومة» يكلف قطاع البناء تريليونات الدولارات

أزمة خفية.. «فقدان المعلومة» يكلف قطاع البناء تريليونات الدولارات
منظر لرافعات البناء فوق موقع تشييد برج «سيلزفورس» في منطقة دوكلاندز في دبلن - أيرلندا يوم الخميس 10 يونيو 2021المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

في ظل النمو المتسارع الذي يشهده قطاع البناء حول العالم، لا تزال هناك مشكلة مزمنة تستنزف الموارد وتعيق الإنتاجية، دون أن تحظى بما يكفي من التركيز: «فقدان المعلومات».

قد تبدو هذه المشكلة إدارية أو تقنية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تؤثر بشكل مباشر في جودة التنفيذ، والجدول الزمني للمشاريع، والسلامة، وحتى العلاقات التعاقدية. ما يثير القلق أكثر هو حجم الخسائر التي تتسبب بها هذه الظاهرة، والتي تتجاوز بكثير ما يعتقده البعض.

أخبار ذات صلة

أبراج قيد الإنشاء في دبي - الإمارات يوم 1 يوليو 2019

توقعات بارتفاع تكاليف البناء في دول مجلس التعاون عام 2025

أرقام تكشف حجم التحدي

وفقاً لتقرير صدر أخيراً، تكبّد قطاع البناء العالمي خسائر تقدّر بـ1.84 تريليون دولار أميركي في عام 2020 نتيجة البيانات غير الدقيقة أو غير المكتملة. أما بالنسبة للمقاولين من الفئة الأولى الذين يحققون إيرادات سنوية تفوق المليار دولار، فبلغ متوسط الخسائر حوالي 165 مليون دولار سنوياً فقط بسبب إدارة المعلومات بشكل غير فعال.

المشكلة لا تنبع من نقص في المهارات أو الإمكانيات، بل من ممارسات تقليدية لا تزال مستخدمة على نطاق واسع، ومن بينها: الاعتماد على الورق، البريد الإلكتروني غير المنظم، استخدام أدوات منفصلة لا تتيح رؤية موحدة، وغياب الترابط بين فرق الموقع والمكتب.

تظهر آثار هذه الفجوات في كل مرحلة من مراحل المشروع:

  • %90 من مشاريع البناء لا تُسلّم في الوقت المحدد، وغالباً يكون السبب هو ضعف التواصل بين الفرق.
  • أكثر من 50% من المهام الأسبوعية لا تُنجز في وقتها، بسبب مستندات قديمة، تأخيرات في الموافقات، أو صعوبة الوصول إلى المعلومات.
  • %38 من شركات البناء تعرّضت لاختراقات بيانات في عام 2023، بينما لا تملك سوى 37% منها استراتيجية أمن سيبراني واضحة.

هذه الأرقام تعكس فجوة خطيرة بين واقع العمل في المواقع ومتطلبات العصر الرقمي.

الأسباب الجذرية: ليست تقنية فقط

حين نظرنا إلى الأسباب التي تعيق تبني حلول رقمية فعالة، ظهرت ثلاث تحديات رئيسية:

  • نقص الموارد (40%).
  • عدم وضوح نقطة البداية (36%).
  • ضعف الدعم من الإدارة العليا (36%).

ما تعكسه هذه النسب هو أن الرغبة في التغيير موجودة، لكن الطريق ما زال غير واضح لكثير من الشركات. التحدي لا يتمثل فقط في اختيار أداة رقمية، بل في تغيير ثقافة العمل، وبناء استراتيجية بيانات واضحة وشاملة.

أخبار ذات صلة

مزرعة طاقة شمسية بقدرة 10 ميغاواط على مشارف «مدينة مصدر» في محيط العاصمة الإماراتية أبوظبي يوم 7 أكتوبر 2015

المشاريع العملاقة في الشرق الأوسط تقود ثورة البناء المستدام

من الورق إلى «المعلومة اللحظية»

أحد المفاهيم المغلوطة هو أن التحول الرقمي في قطاع البناء يعني فقط التخلص من المستندات الورقية. الواقع أن القيمة الحقيقية للتحول الرقمي تكمن في القدرة على جمع وتوثيق ومشاركة المعلومات بين جميع الأطراف في الوقت المناسب، من مصدر موحد.

عندما تصبح الصور والملاحظات والمهام والتقارير موثقة بشكل لحظي ويمكن الوصول إليها بسهولة، فإن التنسيق يصبح أكثر سلاسة، وتتقلص فرص حدوث نزاعات أو تأخيرات مكلفة. كما أن إمكانية الإشراف عن بُعد على مواقع العمل، ومتابعة التقدم ميدانياً دون الحاجة للتواجد الدائم، أصبحت ممكنة بفضل أدوات جديدة مثل التصوير بزاوية 360° عبر كاميرات قابلة للارتداء.

فقدان المعلومات يهدد الثقة أيضاً

تأثير فقدان المعلومات لا يقتصر على التكاليف والتأخيرات، بل يضرب في صميم العلاقات بين الأطراف المعنية. حين يعتمد فريق العمل على بيانات غير محدثة أو متضاربة، تتولد النزاعات، وتتأخر الموافقات، وتتوتر بيئة العمل.

من هنا، تبدو الحاجة ملحة للانتقال من نموذج «رد الفعل» إلى «الوقاية»، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال خطوات تدريجية تبدأ برقمنة العمليات الحالية، توحيد مصادر البيانات، وتيسير الوصول إليها.

ومع أن التحديات متعددة، إلا أن الحلول متاحة. التحول يبدأ من إدراك قيمة المعلومات، ووضعها في قلب العمليات اليومية، وضمان أن كل قرار يُتخذ على أساس بيانات دقيقة، وفي الوقت المناسب. لأن كل تأخير، وكل نزاع، غالباً ما يبدأ من معلومة مفقودة.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف