logo
عقارات

لمواجهة عجز الإسكان.. ليبيا تراهن على إحياء المشروعات المتوقفة

لمواجهة عجز الإسكان.. ليبيا تراهن على إحياء المشروعات المتوقفة
مبنى قيد الإنشاء في مدينة بنغازي، بتاريخ 21 مايو 2026.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

في ظل عجز سكني متراكم يقترب من 800 ألف وحدة، تتجه الأنظار في ليبيا إلى المشروعات الحكومية المتوقفة باعتبارها أحد أبرز الخيارات المطروحة لتلبية الطلب المتزايد، وسط تحديات اقتصادية وإدارية معقدة، أبرزها ارتفاع تكاليف البناء واستمرار الانقسام الحكومي وتأخر اعتماد مخططات عمرانية جديدة.

الاتجاه نحو إحياء المشروعات المتوقفة منذ 2011، يراه معنيون بينهم مسؤول رقابي ليبي، تحدثوا لـ«إرم بزنس»، جزءاً من الحل لكنه يحتاج إلى عوامل مساعدة أخرى بينها إطلاق مشروع وطني لإنشاء مدن جديدة مجاورة للمدن الكبرى، والشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص وإنهاء عقبات التمويل وسياسة البيت لساكنه، ودعم محدودي الدخل.

و«البيت لساكنه» مقولة شهيرة بعهد نظام معمر القذافي بموجب القانون 4 عام 1978، تشير إلى قانون تأميم العقارات، وأن الأولوية في ملكية السكن لمن يقيم فيه فعلياً وليس لمالكه الأصلي. 

أخبار ذات صلة

يعملون في موقع بناء مركز تسوق تُشيده شركة ليبية تونسية في مدينة بنغازي يوم 25 سبتمبر 2021

لماذا يربح «شرق ليبيا» طفرة التنمية والإعمار ويسبق «الغرب»؟

عجز بالإسكان وتباين حكومي

رغم أن ليبيا لم تشهد إجراء تعداد للسكان منذ 2006، قال رئيس حكومة الوحدة في طرابلس، عبد الحميد الدبيبة في كلمته بأعمال الحوارية الوطنية للإسكان والتمويل العقاري، يوم 6 يوليو، الجاري إن ليبيا تواجه عجزاً إسكانياً بنحو 800 ألف وحدة سكنية، لافتاً إلى أن حكومته تركز على استكمال نحو 150 ألف وحدة سكنية غير مكتملة أو متوقفة، موزعة على مختلف المناطق، دون تحديد عدد المشروعات المتوقفة بالبلاد.

وخلال الجلسات الحوارية، جرى عرض واقع الإسكان في ليبيا عبر ثلاث جلسات رئيسية، حيث تم استعراض العجز السكني وفق التوزيع الجغرافي، إذ بلغ في طرابلس الكبرى 315 ألف وحدة سكنية بنسبة 45%، وفي بنغازي الكبرى 175 ألف وحدة بنسبة 25%، وفي المنطقة الوسطى 84 ألف وحدة بنسبة 12%، وفي المنطقة الجنوبية 70 ألف وحدة بنسبة 10%، إضافة إلى 56 ألف وحدة في مناطق أخرى بنسبة 8%، بحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية آنذاك.

غير أن رئيس الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد، اعتبر وقتها تصريحات الدبيبة، «تتجاهل ما تحقق من مشاريع إسكانية وتنموية في مختلف أنحاء البلاد»، لافتاً إلى أن «صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا»، الذي يقوده بالقاسم حفتر، (منذ تأسيسه عام 2024 لتنمية مناطق شرق ووسط وجنوب البلاد) ينفّذ «أكبر برنامج للإعمار والإسكان في تاريخ الدولة وينفذ آلاف الوحدات السكنية في بنغازي ودرنة، إلى جانب مشاريع في المنطقة الوسطى والجنوب (مناطق سيطرة الحكومة المتركزة في الشرق)».

وفي نهاية ديسمبر 2025، اعتمد مجلس النواب الليبي المتواجد في شرق البلاد ميزانية للصندوق مقدرة بـ69 مليار دينار، (12.71 مليار دولار) بواقع 25 مليار دينار تصرف خلال عام 2025، و23 ملياراً في عام 2026، و21 ملياراً في عام 2027، في واحدة من أضخم مخصصات الإنفاق التنموي التي يعتمدها مجلس النواب خلال السنوات الأخيرة.

مشهد للواجهة البحرية في طرابلس، العاصمة الليبية.
مشهد للواجهة البحرية في طرابلس، العاصمة الليبية.المصدر: شاترستوك

جزء من الحل لكنه غير كافٍ

يرى وزير الدولة لشؤون الاقتصاد السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي الحالي، سلامة الغويل، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «المشكلة الحقيقية في أزمة الإسكان في ليبيا لا تكمن فقط في المشروعات المتوقفة، وإنما في غياب التخطيط العمراني المستدام، وضعف البنية التحتية، واستمرار التوسع العشوائي في أغلب المدن».

ورغم أن الضغط على الإسكان بحسب الغويل «يبدو أكثر وضوحاً في المنطقة الغربية نتيجة الكثافة السكانية وتمركز الخدمات والمؤسسات والهجرة الداخلية، فإن مختلف المناطق الليبية بحاجة إلى سياسات إسكانية حديثة تستجيب للنمو السكاني ومتطلبات التنمية».

ويعتقد الغويل أن «استكمال المشروعات الإسكانية المتوقفة يمثل جزءاً من الحل، لكنه لن يكون كافياً لمعالجة حجم العجز المتراكم والمتزايد. لذلك، فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على إطلاق مشروع وطني لإنشاء مدن جديدة مجاورة للمدن الكبرى، وتُبنى وفق مخططات حديثة وبنية تحتية متكاملة، بما يخفف الضغط عن المدن القائمة ويؤسس لبيئة عمرانية واقتصادية أكثر استدامة».

وأضاف: «سبق أن طرحت هذا التوجه باعتباره أحد الحلول الواقعية، على أن يقوم على شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمصارف، من خلال منظومة تمويل عقاري وتشريعات واضحة، تتيح للمواطن الحصول على مسكن بأقساط مناسبة، وفي الوقت نفسه تحرك عجلة الاقتصاد، وتدعم قطاعات البناء والصناعة والخدمات، وتوفر فرص عمل واسعة».

وبتقدير الغويل، فإن «ليبيا تحتاج إلى نحو مليون وحدة سكنية خلال السنوات العشر المقبلة»، مؤكداً أن «ذلك هدف قابل للتحقيق إذا توفرت الإرادة السياسية، والتخطيط العلمي، والشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص».

3 مسارات لمواجهة العجز

بينما تغيب عن الواقع السكني بليبيا البيانات الرسمية الدقيقة المحدثة، يشير رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية المحلل الاقتصادي، خالد بوزعكوك، في حديث لـ«إرم بزنس»، إلى أن «واقع الإسكان في ليبيا مرّ بمراحل مختلفة كان للقطاع الخاص دور كبير، لكن مع العام 1979، وقرارات التأميم وتطبيق مقولة البيت لساكنه وتوقف القطاع الخاص عن البناء والاستثمار العقاري، أصبحت الدولة وحدها هي المسؤولة عن ملف الإسكان العام، ونفّذت عدة مشاريع إسكانية متكاملة المرافق والخدمات».

وأضاف بوزعكوك: «لم تكفِ تلك المشاريع الاحتياجات المتزايدة وأصبحت الفجوة تتسع سنوياً حتى بداية الألفية وخروج مشروع ليبيا الغد (2009-2010) الذي كان يهدف إلى بناء 600 ألف وحدة سكنية موزعة على مناطق الدولة لكن المشروع توقف مع أحداث 2011، ومغادرة الشركات الأجنبية البلاد بسبب حالة عدم الاستقرار».

ونوّه إلى أنه «مع بدايات حالة الاستقرار في مناطق شرق ووسط وجنوب البلاد، أعلن صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا والجهاز الوطني للتنمية عن إطلاق عملية ضخمة لإعادة صيانة واستكمال وتفعيل معظم المشاريع الإسكانية المتوقفة في درنة وتم الانتهاء من مشروع 2000 وحدة سكنية وتسليمها لمستحقيها، في بنغازي وتم الشروع في استكمال مشروع 20 ألف وحدة سكنية وكذلك هو الحال في مدن مرزق وسبها وسرت والواحات».

وأشار بوزعكوك، إلى أن «هناك أزمة وطلباََ متزايداً على الإسكان، لكن الوضع زاد سوءاً مع توقّف المصارف العامة عن الإقراض السكني، وارتفاع سعر الدولار وتكلفة البناء وسعر الأراضي ومواد البناء والعمالة مما انعكس على وضع المواطنين السكني، وانتشرت الأحياء العشوائية وأحاطت بالمدن الكبيرة».

ويعتقد بوزعكوك، أن «الحلول تتمثل في إعادة تفعيل عمل الإقراض السكني عبر المصارف العامة المملوكة للدولة وفتح مخططات سكنية جديدة تتوفر بها البنية التحتية وتشجيع  القطاع الخاص على الاستثمار في المشاريع الإسكانية وإلغاء القانون رقم 4 عام 1978، مع مواصلة استكمال آلاف الوحدات السكنية المتوقفة منذ عام 2011».

أخبار ذات صلة

منطقة الجبل الأخضر في ليبيا، 1 ديسمبر 2023.

وزير الزراعة لـ«إرم بزنس»: ليبيا تستغل نصف أراضيها الزراعية فقط

القطاع الخاص جزء كبير من الحل

وباعتقاد المستثمر الليبي، حسني بي، في حديث لـ«إرم بزنس»، فإن «أزمة الإسكان في ليبيا هي أزمة هيكلية تراكمت على مدى أكثر من أربعة عقود، وليست نتيجة السنوات الأخيرة فقط. إذا ما أُخذنا  في الاعتبار النمو السكاني، وتكوين أسر جديدة، والأضرار التي لحقت بالمساكن، وغياب السجل العقاري والتخطيط العمراني، وتوقف آلاف المشاريع التي يتردد أن عددها 380 ألف وحدة منذ سنوات».

وأضاف: «أما فيما يتعلق بالفجوة بين غرب ليبيا وشرقها، فمن الطبيعي أن يكون الضغط السكني أكبر في الغرب، وبخاصة في طرابلس الكبرى، لأنها تضم أكبر تجمع سكاني، وتستقطب الهجرة الداخلية، وتتركز فيها معظم الوظائف والخدمات والجامعات والأنشطة الاقتصادية. لكن هذا لا يعني أن الشرق لا يعاني من الأزمة، فبنغازي ومدن أخرى واجهت أيضاً آثار الحرب والنمو السكاني، وإن كانت برامج إعادة الإعمار الجارية قد ساهمت في تخفيف جزء من الضغوط».

ويعتقد، حسني بي، أن «الرهان على استكمال المشاريع المتوقفة فهو خطوة صحيحة، لكنه لا يكفي وحده»، معتبراً أن «استكمال 150 ألف وحدة سكنية سيخفف جزءاً من الأزمة، لكنه لن يغطي سوى نسبة محدودة من إجمالي العجز، خاصة مع استمرار زيادة عدد السكان وارتفاع الطلب السنوي على المساكن».

وعن الحلول، أضاف المستثمر الليبي، حسني بي، أن «الحل الحقيقي يجب أن يكون برنامجاً وطنياً متكاملاً يقوم على عدة محاور، أهمها استكمال جميع المشاريع الإسكانية المتوقفة وفق أولويات واضحة، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في التطوير العقاري وتوفير تمويل عقاري طويل الأجل بفوائد أو هوامش مناسبة للأسر متوسطة الدخل، وفتح مناطق عمرانية جديدة لتخفيف الضغط عن المدن الكبرى، وتحديث السجل العقاري الإلكتروني».

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف