logo
عقارات

مطورو دبي بين نارين.. ارتفاع تكاليف البناء وضغوط الأسعار

توقعات بتباطؤ إطلاق المشاريع السكنية الجديدة

مطورو دبي بين نارين.. ارتفاع تكاليف البناء وضغوط الأسعار
مبنى في وسط مدينة دبي، الإمارات العربية المتحدة، 11 أبريل 2020.المصدر: شاترستوك
تاريخ النشر:

قد لا تقتصر تداعيات ارتفاع تكاليف البناء وضغوط أسعار العقارات في دبي على تقلص هوامش أرباح المطورين، بل يمكن أن تمتد مستقبلاً إلى إبطاء أو تأجيل إطلاق بعض المشروعات الجديدة، ولا سيما لدى المطورين الأصغر الذين دخلوا السوق في مرحلة متأخرة من دورة الصعود واشتروا الأراضي بتكاليف مرتفعة.

وتشير شركة «تيرنر آند تاونسند» في تقريرها العالمي لتكاليف البناء لعام 2026 بالفعل إلى أن بعض المشروعات في المنطقة، ولا سيما المرتبطة بمطورين جدد، بدأت تتوقف أو تتباطأ مؤقتاً بسبب الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية وارتفاع أسعار بعض المواد، مضيفة أن المشروعات السكنية المخصصة للبيع تواجه أيضاً ضغوطاً على الإيرادات مع زيادة حذر المستثمرين.

فالمعادلة التي كانت تسمح للمطور بتعويض ارتفاع تكلفة الأرض والإنشاء عبر زيادة أسعار الوحدات أصبحت أكثر صعوبة، مع ظهور ضغوط على الأسعار وتراجع النشاط خلال الحرب، بالتزامن مع قفزات كبيرة في تكاليف مواد البناء والمقاولين والخدمات اللوجستية.

وتؤكد «نايت فرانك» ظهور هذه الضغوط في سوق دبي، إذ قالت في يوليو إن الأسعار في أجزاء واسعة من السوق السكنية الرئيسية بدأت تتراجع بنسب تراوحت بين 5% و20% بحسب المنطقة، في ظل خروج بعض الملاك والمستثمرين وتزايد حالة عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الإقليمية.

أخبار ذات صلة

سوق العقارات السكنية في دبي يحافظ على زخمه خلال النصف الأول من 2026

«بيوت»: أصحاب الثروات والطلب الاستثماري يدعمان زخم العقارات في دبي

مواد البناء تقفز

ولا تكمن المشكلة في أسعار العقارات وحدها، إذ يتحرك الجانب الآخر من معادلة المطور في اتجاه معاكس، مع ارتفاع تكلفة إنشاء المشروعات بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات قليلة.

وتظهر بيانات شركة «تيرنر آند تاونسند» أن تكلفة الأعمال الأساسية والهيكل للأبراج السكنية التي يتراوح ارتفاعها بين 20 و60 طابقاً في دبي ارتفعت من نطاق يتراوح بين 350 و450 درهماً للقدم المربعة في 2020 إلى 470 و600 درهم في 2025.

ويعني ذلك ارتفاع طرفي نطاق التكلفة بنحو الثلث خلال خمس سنوات، قبل احتساب التشطيبات والهدم والأعمال الخارجية والمرافق، وهي بنود لا تتضمنها هذه الأرقام، بحسب «تيرنر آند تاونسند».

أما على مستوى مواد البناء، فتظهر بيانات مركز دبي للإحصاء التي حللتها شركة «إكويتي إيدج» أن الارتفاعات خلال النصف الأول من 2026 كانت أكبر بكثير في عدد من المدخلات الرئيسية.

وبحسب التحليل، ارتفع سعر الخرسانة الجاهزة من نحو 315 درهماً إلى 426 درهماً للمتر المكعب بين يناير ويونيو، أي بنحو 35%، فيما صعد حديد التسليح بنحو 28% إلى 3,224 درهماً للطن.

كما ارتفع الشبك الحديدي بما يصل إلى 40%، وقفزت أسعار البلوك الخرساني بنسب تراوحت بين 25% و31% بحسب النوع والحجم. أما الجبس فسجل الزيادة الأكبر، إذ ارتفع سعر الكيس من 7.70 درهم إلى 16.45 درهم، أي بنحو 114% خلال الفترة نفسها، وفق بيانات مركز دبي للإحصاء التي استند إليها تحليل «إكويتي إيدج».

100 مليون درهم إضافية؟

وتظهر خطورة المعادلة عند تحويل النسب إلى أرقام. فإذا كانت التكلفة الأصلية لإنشاء مشروع ما تبلغ 500 مليون درهم، ثم ارتفعت التكلفة الإجمالية الفعلية بنسبة 20%، فهذا يعني نظرياً إضافة 100 مليون درهم إلى فاتورة المشروع.

وهذا المثال حسابي لتوضيح أثر ارتفاع التكلفة وليس تقديراً لمشروع محدد، إذ إن نسبة الزيادة الفعلية تختلف تبعاً لمرحلة التنفيذ والعقود المبرمة مسبقاً ونسبة المواد التي جرى شراؤها قبل الارتفاع.

أما إذا كان المطور قد باع بالفعل معظم وحداته على الخريطة، فلا يستطيع ببساطة العودة إلى المشترين ورفع أسعار الوحدات المباعة لتعويض الزيادة في تكلفة الحديد والخرسانة والمقاولين.

ويصبح أمامه في هذه الحالة استيعاب جزء من الزيادة من هامش الربح، أو ضخ سيولة إضافية، أو الحصول على تمويل جديد، أو إعادة التفاوض مع المقاولين والموردين.

وتشير «تيرنر آند تاونسند» إلى أن حالة عدم اليقين دفعت بالفعل بعض المقاولين إلى التحفظ تجاه العقود ذات الأسعار الثابتة، في ظل إمكانية تغير أسعار المواد والشحن وبرامج التنفيذ بسرعة. كما أشارت إلى أن شروط التعاقد في دبي أصبحت في بعض الحالات أكثر ملاءمة للمقاولين، بما يشمل دفعات مقدمة أكبر وشروطاً أكثر مرونة.

وهنا يتحول ارتفاع تكلفة البناء تدريجياً من مشكلة في هامش الربح إلى مشكلة محتملة في التدفقات النقدية.

هل تتراجع إطلاقات المشروعات؟

قد تكون إحدى النتائج المستقبلية لهذه المعادلة زيادة انتقائية المطورين عند إطلاق مشروعات جديدة. فالمطور الذي يرى أن تكلفة الأرض والبناء ارتفعت بينما أصبحت قدرته على رفع أسعار البيع محدودة قد يفضل تأجيل مشروع جديد بدلاً من إطلاقه بهامش ربح ضعيف.

وتدعم «تيرنر آند تاونسند» هذه الفرضية، إذ قالت إن بعض المشروعات المرتبطة بمطورين جدد في المنطقة بدأت تتوقف مؤقتاً نتيجة ارتفاع الأسعار ومخاطر السوق، في حين أصبحت قرارات الاستثمار وترسية العقود أكثر حذراً في ظل الاضطرابات الحالية.

كما قد تتجه الشركات إلى تنفيذ المشروعات على مراحل أصغر، أو إعادة تصميمها، أو خفض عدد الوحدات المطروحة في المرحلة الأولى حتى تتضح اتجاهات الطلب والأسعار.

لكن السيناريو المرجح ليس توقف إطلاق المشروعات في دبي بصورة عامة، وإنما اتساع الفجوة بين المطورين.

فالشركات الكبرى التي تتمتع بسيولة قوية ومخزون أراضٍ حصلت عليه بتكاليف أقل وعلاقات طويلة الأجل مع المقاولين ستكون أكثر قدرة على الاستمرار، بينما قد يصبح إطلاق مشروع جديد أصعب بالنسبة إلى مطور صغير يحتاج إلى شراء أرض بأسعار اليوم ثم البناء بتكاليف اليوم والمنافسة مع آلاف الوحدات التي بيعت بأسعار سابقة.

معروض ضخم حتى 2030

ويضاف إلى ارتفاع التكلفة عامل آخر لا يقل أهمية: المعروض الكبير المنتظر دخوله السوق خلال السنوات المقبلة.

وتشير تقارير «نايت فرانك» عن سوق دبي السكنية إلى وجود مئات الآلاف من الوحدات في خطط التطوير والتسليم خلال السنوات المقبلة، في ظل موجة غير مسبوقة من المشروعات على الخريطة.

وفي بداية 2026، قالت «نايت فرانك» إن سوق دبي أنهت 2025 عند مستويات قياسية، مع تسجيل نحو 205,400 صفقة سكنية بزيادة 18% على أساس سنوي، بينما ارتفعت قيمة التعاملات 25% إلى 544.2 مليار درهم، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى بداية ظهور سوق بسرعتين مختلفتين، مع تفوق المواقع الرئيسية وتباطؤ نمو الأسعار في السوق المتوسطة.

وفي تقاريرها المتعلقة بالتسليمات، أشارت الشركة إلى أن المعروض المتوقع نظرياً يفوق ما يصل فعلياً إلى السوق عادة، نتيجة تأخر جزء من المشروعات عن الجداول المعلنة، وهو عامل قد يخفف جزئياً من أثر المعروض الكبير.

أخبار ذات صلة

تصميم لمشروع جزيرة فاهد في أبوظبي.

رغم توترات المنطقة.. لماذا تتسارع الاستثمارات في عقارات أبوظبي؟

هل ترتفع مخاطر تأخير التسليم؟

هذه الأرقام تكتسب أهمية أكبر في ظل ارتفاع تكاليف الإنشاء. فتأخر التسليم قد يكون نتيجة أكثر واقعية للضغوط المالية من التعثر الكامل للمشروع.

ويمكن لارتفاع عروض المقاولين أو نقص بعض التخصصات أو تأخر توريد المعدات أن يدفع المطور إلى إعادة التفاوض أو البحث عن موردين بديلين، وهو ما ينعكس في النهاية على الجدول الزمني.

وتشير «تيرنر آند تاونسند» إلى وجود نقص واضح في بعض العمالة المتخصصة، ولا سيما في الأعمال الميكانيكية والكهربائية والسباكة، موضحة أن المشكلة أكثر حدة في دبي ومن المتوقع أن تتفاقم خلال الأشهر الـ12 المقبلة.

كما تتجاوز فترات توريد بعض المكونات الحرجة للمشروعات، مثل المحولات والمصاعد والسلالم الكهربائية والمولدات، 12 أسبوعاً في كثير من الحالات، بحسب مسح «تيرنر آند تاونسند»، مع احتمال امتداد هذه الفترات في ظل اضطرابات الشحن وسلاسل التوريد.

وتشير الشركة أيضاً إلى أن عدد المقاولين المتخصصين القادرين على تنفيذ واجهات الأبراج والأعمال الميكانيكية والكهربائية والحديد والمصاعد لا يزال محدوداً، خصوصاً بالنسبة للمشروعات الكبيرة والمعقدة، وهو ما يزيد الضغوط على الأسعار والجداول الزمنية.

ليس كل السوق تحت الضغط

ومع ذلك، فإن الصورة ليست سلبية في جميع شرائح سوق دبي. فالسوق الفاخرة تحديداً لا تزال تظهر قوة كبيرة. ووفق «نايت فرانك»، شهد النصف الأول من 2026 بيع 296 منزلاً تزيد قيمة الواحد منها على 10 ملايين دولار، بارتفاع 16% مقارنة بالفترة نفسها من 2025.

وبلغت القيمة الإجمالية لمبيعات المنازل التي تتجاوز قيمتها 10 ملايين دولار نحو 5.1 مليار دولار خلال النصف الأول، بزيادة 14% على أساس سنوي، وفق «نايت فرانك».

لكن «نايت فرانك» أشارت في الوقت نفسه إلى أن هذه القوة لا تنطبق بالتساوي على السوق بأكملها، إذ رصدت تراجعاً في الأسعار يتراوح بين 5% و20% في أجزاء من السوق الرئيسة، بينما أظهرت المناطق الفاخرة قدرة أكبر على الصمود.

ويعكس ذلك انقساماً متزايداً داخل السوق، إذ يمكن أن تواجه المشروعات المتوسطة والمناطق ذات المعروض الكبير ضغوطاً أكبر، بينما تظل العقارات الفاخرة والمواقع النادرة أكثر قدرة على المحافظة على الأسعار.

أخبار ذات صلة

عقارات أبوظبي

كوليرز: سوق العقارات في الإمارات يحافظ على مرونته خلال الربع الثاني

الكبار أكثر قدرة على امتصاص الصدمة

وهنا قد يكون حجم المطور وقوة ميزانيته العامل الحاسم في المرحلة المقبلة. فالمطور الكبير يستطيع امتصاص زيادة تكلفة مشروع معين من أرباح مشروعات أخرى، ولديه قدرة أكبر على التفاوض مع المقاولين والموردين والحصول على التمويل، كما يستطيع تأجيل إطلاق مشروع دون أن يشكل ذلك تهديداً لعملياته بالكامل.

أما المطور الأصغر الذي يمتلك مشروعاً أو مشروعين ويعتمد بدرجة كبيرة على المبيعات على الخريطة، فيمتلك مساحة أقل لامتصاص أي زيادة مفاجئة في التكلفة.

ولذلك قد تكون المرحلة المقبلة اختباراً لهوامش أرباح المطورين وسيولتهم أكثر من كونها اختباراً للطلب على عقارات دبي نفسها.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف