تشهد العائلات المقيمة من غير المواطنين في دولة الإمارات توجهاً متزايداً نحو التخطيط المبكر للتركات مع ترسيخ حضورها الشخصي والمالي، وفقاً لتقرير صادر عن شركة "Just Wills Legal Consultants".
ويفيد التقرير بأن الوصايا باتت وسيلة عملية لحماية ثروات الأسر وتنظيم مسؤولياتها المستقبلية بدلاً من قصرها على مراحل متقدمة من العمر، إذ يُعد امتلاك العقارات، والزواج، والإنجاب، وتأسيس الأعمال أبرز المحطات التي تدفع المقيمين للتفكير في إدارة أصولهم وشؤون أسرهم في حال وفاتهم.
وتتلقى شركة "Just Wills Legal Consultants" شهرياً ما بين 100 و150 استفساراً من الأفراد، ويتحول ما بين 30% إلى 40% منها بمرور الوقت إلى وصايا مكتملة، مسجلةً بذلك نمواً بنسبة 20% في معدل إنجاز الوصايا مقارنةً بالاثني عشر شهراً الماضية.
ويوضح التقرير أن هذا النمو لا يعود فقط إلى اتساع دائرة الوعي، بل يعكس تغيراً جوهرياً في نوعية الاستفسارات نفسها، حيث بات المقيمون يُقبلون بفهمٍ أعمق لمفهوم التخطيط للتركات، ويطرحون أسئلة أكثر دقة وتحديداً، مع امتلاكهم نية وجدية واضحة لإتمام وصاياهم.
وتستحوذ الفئة العمرية (45-54 عامًا) على الحصة الأكبر من الاستفسارات، بينما سجلت الفئة (35-44 عامًا) أعلى معدل نمو خلال العام الماضي، ما يوضح أن التخطيط للتركات بات يبدأ في مرحلة مالية أبكر، بالتزامن مع تزايد شراء المقيمين للعقارات وتأسيسهم للأسر والأعمال داخل الدولة.
ويظل أولياء الأمور ومُلاّك العقارات الفئات الأكثر إقبالاً على هذه الخدمات، حيث يمتلك نحو 60% من العملاء عقارات في الإمارات، ولدى نسبة مماثلة أطفال، في حين يُعدّ تحديد الوصاية على الأبناء دافعاً رئيسياً لإعداد الوصية لدى قرابة نصف هؤلاء العملاء.
كما تتجاوز مخاوف أولياء الأمور مسألة توزيع الأصول، إذ يركز كثير منهم على ضمان وضوح ترتيبات رعاية أطفالهم وتطبيق الوصاية عملياً في حال وفاة الوالدين معاً، إلى جانب حماية أموال الأبناء وإدارتها.
وأوضح سمير ماريا، المدير العام لشركة "Just Wills Legal Consultants"، قائلاً: "بالنسبة للعديد من العائلات المقيمة من غير المواطنين، لم تعد دولة الإمارات مجرد وجهة أو محطة إقامة مؤقتة في مسار حياتهم، بل غدت المستقر الذي يمتلكون فيه منازلهم، ويودعون فيه مدخراتهم، ويُنشئون فيه أطفالهم، ويؤسسون على أرضه أعمالهم ومشاريعهم."
وأضاف سمير: "لم يعد التساؤل مقتصراً اليوم على مجرد معرفة من ستؤول وتنتقل إليه تلك الأصول، بل بات ينصبّ بصورة أعمق على كيفية ضمان استمرارية هذه الثروات وحسن إدارة المسؤوليات التي يتركها الشخص خلفه، بما يكفل استمرار دعم أسرته وحمايتها. ومن هذا المنطلق، نرى تزايداً ملحوظاً في أعداد المقيمين الذين يبادرون باتخاذ خطواتهم في مراحل زمنية أبكر، ويتعاملون مع عملية التخطيط للتركات بدرجة عالية من الوعي، وبنوايا ورؤية أكثر دقة ووضوحًا."
ويسلّط التقرير الضوء على تعقيد الثروات العائلية المتزايد، فإلى جانب العقارات والمدخرات والحسابات المصرفية، بات التخطيط للتركات يشمل المحافظ الاستثمارية، والحصص التجارية، والأصول الرقمية كالعملات المشفرة.
وبالنسبة لأصحاب الأعمال، تتجاوز المسألة حدود الإرث لتشمل استمرارية النشاط التجاري، من خلال تحديد من سيتولى الإدارة وحماية قيمة الشركة بعد وفاة المؤسس.
كما يُعدّ المقيمون لفترات طويلة الأكثر طلباً للمشورة القانونية مع تنامي ارتباطاتهم المالية في الدولة، إذ تفرض ملكية العقارات والشركات وتنشئة الأسر اعتبارات قانونية وعملية محلية خاصة، لا يمكن الاعتماد فيها على افتراضات أو ترتيبات معمول بها في دول أخرى.
ورغم تحسن مستويات الوعي، لا تزال بعض المفاهيم الخاطئة تعرقل اتخاذ الخطوات اللازمة، كافتراض انتقال التركة تلقائياً إلى الزوج أو الزوجة، أو سريان الوصايا الصادرة خارج الدولة بسلاسة على أصول الإمارات، أو الظن بأن تفويض شخص لاستلام أصلٍ ما يجعله مستفيداً نهائياً منه. كما يستمر البعض في ربط الوصايا بالتقدم في السن أو امتلاك ثروات طائلة، رغم وجود أطفال ومدخرات وعقارات وأعمال تستدعي الحماية القانونية المنظمة.
وفي المقابل، أصبحت نقاشات المقيمين أكثر عمقاً وتحديداً، إذ تحوّل الاهتمام من مجرد التساؤل عن "أهمية الوصية" إلى البحث عن "آلية تطبيقها"، عبر دمج ترتيبات الوصاية على الأبناء، وإدارة العقارات، والاستثمارات، والمصالح التجارية، والأصول الرقمية والدولية ضمن خطة تركة شاملة ومتكاملة.
ومع تعمّق الروابط الشخصية والالتزامات المالية للمقيمين داخل دولة الإمارات، ترسّخ إعداد الوصايا والتخطيط لها ليصبح ركيزة أساسية وجزءاً ثابتاً من منظومة التخطيط المالي الخاص بالأسرة. وفي الوقت ذاته، أصبحت المحطات الحياتية المفصلية، والتي تشمل تملّك العقارات، وإنجاب الأطفال، وتأسيس الأعمال والشركات، تمثل دوافع رئيسية تحث أعداداً متزايدة من العائلات على التفكير بجدية وتحديد كيفية تنظيم وإدارة مختلف أصولهم وممتلكاتهم، وترتيب مسؤولياتهم وواجباتهم الأسرية للتعامل معها وضمان إدارتها في حال غيابهم أو وفاتهم.