
توسع الاقتصاد الرقمي العربي يفتقر لشركات كبرى تقوده
في الوقت الذي تتسابق فيه العواصم العربية على تنظيم مؤتمرات الذكاء الاصطناعي وضخ مليارات الدولارات في المشاريع الرقمية، يطرح المدير التنفيذي لـ«Gov Campus»، وأستاذ كلية هولت للأعمال بالولايات المتحدة، يسار جرار، سؤالًا أكثر حدة: هل نبني اقتصاداً جديداً فعلاً، أو نعيد إنتاج الضجيج نفسه بأدوات حديثة؟. ويؤكد أن الإجابة، كما يراها، ليست مريحة.
في حديثه لـ«إرم بزنس»، يشير إلى أن المنطقة العربية لا تعاني نقصًا في رأس المال أو الكفاءات أو الفرص، بل من خلل أعمق يتمثل في ضعف القدرة على تحويل هذه العناصر إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
يقول بوضوح إن المشكلة لم تكن يوماً في الإمكانات، بل في الإدارة والقيادة، كما يشير إلى أن رأس المال الخاص بالمنطقة العربية يحتاج إلى روح المغامرة، من أجل تنفيذ أفكار جديدة ومبتكرة.
ورغم وجود نماذج ناجحة في دول مثل الإمارات، فلا يزال المشهد العام متبايناً؛ إذ تتقدم بعض الدول بسرعة، بينما تتراجع أخرى إلى مستويات أقل مما كانت عليه قبل عقود، بحسب ما يقوله جرار.
لا ينفي جرار أهمية المؤتمرات، لكنه يضعها في سياقها الاقتصادي الطبيعي، باعتبارها نشاطاً يخدم السياحة والطيران والخدمات، وقد نجحت مدن عالمية في بناء اقتصادات حولها.
لكن الإشكال، بحسبه، يبدأ عندما تتحول المؤتمرات إلى بديل عن الاقتصاد الحقيقي لا محفز له، فالمعيار الحاسم هنا هو: إذا لم تُنتج شركات أو استثمارات أو تغييرات ملموسة، فهي مجرد ضجيج منظم.
يرى جرار أن الإجابة ليست تقنية، بل هيكلية، ويحدد ثلاث فجوات رئيسية، هي محدودية رأس المال المغامر، الذي يميل إلى تمويل النسخ أو التقليد بدل الابتكار، وجامعات لا تنتج معرفة قادرة على المنافسة عالمياً، وسوق عربي مجزأ يعرقل التوسع والنمو.
في المقابل، تمتلك الحكومات ما يمكن وصفه بـ«رأس المال الصبور»، لكنه غالباً لا يُوظف لبناء شركات عالمية، بل يوجه إلى مشاريع تقليدية.
يشير إلى أن الاقتصاد الرقمي في المنطقة يتوسع، لكن دون ظهور شركات كبرى تقوده، وهو ما يحد من قدرته على المنافسة عالمياً.
برأيه، يعيد المشهد الحالي ما حدث في فقاعة الإنترنت، مع موجة من الشركات التي ترفع الشعارات نفسها، مقابل قلة ستنجح في بناء قيمة حقيقية.
لكن الفرق الجوهري أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد موجة مضاربة، بل تحول بنيوي سيعيد تشكيل الاقتصاد بالكامل. بمعنى آخر: الضجيج سيتلاشى، لكن الأثر سيبقى، بحسب قوله.
يتوقع جرار «ضربات موجعة» في سوق العمل خلال العقد المقبل، مع اختفاء وظائف كاملة بوتيرة أسرع من المتوقع نتيجة تقدم الأنظمة الذكية.
ويحذر من فجوة خطيرة تتمثل في، جيل جديد سيبني اقتصاده الخاص، وجيل حالي قد يتعثر لأنه لم يتعلم كيف يتعلم.. وهنا تتحول القضية من ملف تقني إلى أزمة سياسات عامة، على حد قوله.
يستشهد جرار بتجربة مركز دبي المالي العالمي كنموذج مختلف في المنطقة، إذ لم يكن مشروعاً عقارياً أو مبادرة إعلامية، بل منظومة متكاملة تشمل التشريعات والقضاء المستقل وبيئة الأعمال والثقة الدولية. ويؤكد أن النجاح لا يُبنى بالأفكار وحدها، بل بالأنظمة التي تحميها وتدفعها للنمو.
رغم الزخم حول الذكاء الاصطناعي، تواجه الحكومات العربية تحدياً جوهرياً يتمثل في ضعف جودة البيانات وتوحيدها وجاهزيتها للاستخدام. ويؤكد جرار أن الدول التي بدأت معالجة هذه الفجوة انتقلت فعلياً إلى التطبيق، بينما لا تزال أخرى عالقة في مستوى الخطاب.
يلخص جرار التحديات في ثلاث نقاط هي: نزيف الكفاءات نحو القطاع الخاص، وتصاعد التهديدات السيبرانية، والاعتماد المفرط على شركات تكنولوجية أجنبية. وهي معادلة دقيقة: تسارع رقمي مقابل هشاشة هيكلية.
رغم التوترات السياسية، فلا تتراجع الاستثمارات، بل قد تتزايد؛ لأن ارتفاع المخاطر غالباً ما يقابله ارتفاع في العوائد؛ ما يجعل المنطقة العربية وإفريقيا بيئة جاذبة لرأس المال الباحث عن فرص نمو أعلى.
رغم تحديات البطالة بين الشباب، يرى أن الفرص ما زالت قائمة في مجالات، مثل: التكنولوجيا والزراعة المتقدمة واقتصاد الفضاء، لكن استغلالها يتطلب تحولاً جذرياً في طريقة التفكير.
ويختتم المشهد بجملة حاسمة: المشكلة ليست في غياب الفرص، بل في القدرة على تحويلها إلى واقع.