الاقتصاد الرقمي يربح تحت الضغط والطلب يتسارع عالمياً

بينما تضغط الأزمات على الاقتصاد العالمي، يظهر رابح غير متوقع، التكنولوجيا. فالأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي لم يعودا مجرد أدوات، بل أصبحا صناعة مزدهرة تقود النمو في زمن الاضطرابات.
وهذا التحول لم يعد نظرياً. يوضح الخبير في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي رولان أبي نجم، في مقابلة مع «إرم بزنس»، أن ما «نشهده اليوم ليس مجرد تطور تقني، بل إعادة تعريف كاملة لمفهوم الصراع الاقتصادي والعسكري».
يرى رولان أبي نجم أن الحروب السيبرانية لم تعد عنصراً ثانوياً، بل أصبحت نقطة الانطلاق لأي مواجهة.
ويقول: «لم يعد من الممكن الفصل بين الحرب التقليدية والحرب السيبرانية، فكل مواجهة تبدأ اليوم في الفضاء الرقمي قبل أن تنتقل إلى الميدان. المعلومة أصبحت السلاح الأكثر تأثيراً، والذكاء الاصطناعي هو الذي يحدد من يمتلك الأفضلية على الأرض».
وتشير تقديرات حديثة إلى أن الهجمات السيبرانية على البنية التحتية الحيوية ارتفعت بأكثر من 30% خلال العامين الماضيين، مع تركيز واضح على قطاعات الطاقة والمصارف والاتصالات، ما يعكس انتقال الصراع فعلياً إلى الفضاء الرقمي.
بحسب أبي نجم، فإن المستفيد الأكبر من هذا التحول هو مزودو التكنولوجيا أنفسهم، سواء شركات الذكاء الاصطناعي أو الأمن السيبراني.
يقول في حديثه لـ«إرم بزنس»: «نحن أمام واقع جديد، حيث أصبحت الدول نفسها تعتمد على شركات التكنولوجيا لحماية أمنها، وهذا بحد ذاته تحول في موازين القوة. لم تعد هذه الشركات مجرد مزود للخدمات، بل أصبحت شريكاً أساسياً في منظومة الأمن القومي».
ويضيف أن الصراع بين الدول الكبرى، خصوصاً بين الولايات المتحدة والصين، يعزز هذا الاتجاه، حيث تتحول التكنولوجيا إلى عنصر من عناصر الأمن القومي.
«الأزمات تسرّع الطلب على الأمن السيبراني بشكل غير مسبوق. فمنذ جائحة كورونا، تسارع التحول نحو اقتصاد رقمي قائم على الخدمات عن بُعد والتعاملات الإلكترونية، ما وسّع الاعتماد على التكنولوجيا في الحياة اليومية، كلما زاد الاعتماد على التكنولوجيا، زادت الحاجة إلى الأمن السيبراني»، وفق أبي نجم.
اليوم، أكثر من 60% من الشركات العالمية تعتمد على بنية رقمية مترابطة تشمل الحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء، ما يزيد من نقاط الضعف ويجعل أي اختراق قادراً على تعطيل سلاسل كاملة من العمليات.
ورغم هذا النمو، لا يزال التحدي الأكبر في العنصر البشري، مع فجوة واضحة بين الطلب على الخبرات الأمنية ومستوى الكفاءات المتاحة في السوق.
في جانب آخر، يشير أبي نجم أن: «التجارة الإلكترونية تشهد نمواً متسارعاً، مدفوعاً بتغير سلوك المستهلك. المستخدم اليوم يسأل نفسه: لماذا أذهب إلى المتجر إذا كان بإمكاني الحصول على المنتج بسهولة وسعر أقل عبر الإنترنت؟ لكن هذا النمو لا يخلو من التحديات، أبرزها اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن، إضافة إلى تصاعد عمليات الاحتيال الإلكتروني».
وتشير بيانات الأسواق إلى أن خسائر الاحتيال الرقمي في التجارة الإلكترونية تتجاوز عشرات المليارات سنوياً، مع توقعات بارتفاعها في فترات الأزمات نتيجة زيادة الهجمات الإلكترونية.
يجيب أبي نجم بأن العلاقة معقدة، لكنها تقوم على التكامل أكثر من الصراع.
يقول: «إذا زاد التوتر بين الشركات والدول، الشركات ببساطة قد تغادر إلى أماكن أخرى. هذا الواقع ينعكس أيضاً في الأرقام، حيث تتركز غالبية براءات الاختراع في الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين، ما يعكس تحوّل التكنولوجيا إلى ساحة تنافس استراتيجي عالمي».
في تقييمه للمنطقة العربية، يشرح أبي نجم: «لا يمكن التعامل معها كوحدة واحدة، نظراً للفجوات الكبيرة بين الدول. فبينما تقود دول مثل الإمارات والسعودية مسار التحول الرقمي، تعاني دول أخرى من ضعف البنية التحتية الرقمية».
وفي المقابل، تسارع دول الخليج استثماراتها، حيث تُضخ مليارات الدولارات في مشاريع الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، بهدف تحويل الأزمات إلى فرصة لتعزيز موقعها كمراكز تكنولوجية إقليمية.
يضيف أبي نجم: «ما يحدث اليوم يجب أن يكون جرس إنذار: المستقبل هو للتحول الرقمي والأمن السيبراني. ببساطة، كلما اشتدت الأزمات على الأرض، ازداد النشاط في الفضاء الرقمي حيث تُدار المعارك بصمت، لكن تأثيرها يصل إلى كل القطاعات».
في المحصلة، لا يبدو أن الاقتصاد الرقمي مجرد قطاع مستفيد، بل هو الرابح الخفي الذي يعيد تشكيل موازين القوة في العالم. فالبيانات أصبحت سلاحاً، والخوارزميات خط دفاع، ومن يملك التكنولوجيا، يملك الأفضلية.