
المباني الحكومية القديمة ستتحول قريباً لفنادق فاخرة
علينا الاستثمار في سياحة الترانزيت كما فعلت دول أخرى
رغم سيل الأزمات العاصفة والتوترات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة طوال الفترة الماضية، أظهر قطاع السياحة في مصر مؤشرات نمو واعدة جداً.
ففي حين تطمح القاهرة لاستقطاب 17.5 مليون سائح بنهاية العام الحالي، صعوداً من 15.8 مليون بنهاية العام 2024، تبيّن جحوزات السفر ونسب الإشغال الفندقية أن بلوغ هذا الهدف بات قاب قوسين أو أدنى.
لكن آمال الحكومة المصرية لا تقف عند هذا الحد، إذ ترمي خطة طموحة لمضاعفة هذه الأعداد خلال السنوات القليلة المقلبة عبر ربط المستهدفات الخاصة بمؤشرات القطاع السياحي بتطبيق سلسلة إجراءات إصلاحية متربطة بالتسويق والترويج للوجهات والمنتجعات السياحية، إلى جانب تحسين المناخ الاستثماري.
يبدي نائب رئيس لجنة السياحة بالغرفة الأميركية في القاهرة، والمدير العام لشركة «ترافكو هوليدايز» للسياحة، معتز صدقي تفاؤلاً كبيراً بالخطط الحكومية، واصفاً إياها بـ«الطموحة».
يقول صدقي في حوار خاص مع «إرم بزنس» إن التحضير لافتتاح «المتحف المصري الكبير» لأكثر من عام يعكس عناية الجهات المختصة بكافة التفاصيل الدقيقة، لاسيما وأن هذا الصرح ليس مجرد متحف أثري، بل منارة تعليمية وثقافية تقدّم للزائر تجربة بصرية وتفاعلية متكاملة.
ويجزم بأن المتحف المصري الكبير ليس مجرد موقع أثري فقط، بل تجربة حضارية تحتاج لأكثر من يوم لاكتشافها، وأكبر منطقة ثقافية في الوطن العربي تجمع بين التكنولوجيا الحديثة، وعظمة التاريخ المصري القديم.
وضعت مصر حجر أساس المتحف عام 2002 بجوار أهرامات الجيزة ليكون أكبر متحف بالعالم يضم آثار الحضارة المصرية القديمة.
وفي أكتوبر من العام 2024 بدأ التشغل التجريبي للمتحف على أن يُفتتح في الفترة القريبة المقبلة، حيث تستعد مصر بالفعل لتوجيه الدعوات لرؤساء وقادة العالم للمشاركة في حفل الافتتاح الضخم.
يرى صدقي، أن قطاع السياحة المصري يسير في مسار تصاعدي واضح، حيث شهد زيادة بـ20% مقارنة بالعام الماضي، متوقعاً مزيداً من التطور والتحسّن بنهاية العام الحالي على اعتبار أن «مصر تمكّنت من إثبات علو كعبها في مجال السياحة وظلّت ضمن الوجهات الأكثر جذباً برغم كل التحديات والتطورات التي شهدتها المنطقة بالفترة الماضية».
كما يعتبر أنه سيكون لانتقال معظم الوزارات إلى العاصمة الإدارية الجديدة أثر اقتصادي وسياحي كبير، مشيراً إلى أن: المباني الحكومية القديمة في القاهرة ستتحول قريباً إلى فنادق فاخرة تديرها شركات عالمية، و«سنرى ذلك بوضوح خلال النصف الأول من العام 2026».
وفي وقت سابق، أشارت الجهات الحكومية المعنية إلى ارتباط نمو هذا القطاع الحيوي بعاملين أساسيين، هما مضاعفة سعة المطارات، وزيادة مقاعد الطيران المخصصة للداخل، بجانب زيادة الطاقة الفندقية المتاحة في البلاد برمتها.
وبالفعل، صعدت أعداد السياح الوافدين إلى مصر خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي 22%، وسط توقعات إيجابية باستمرار النمو بالأشهر المقبلة.
في سياق متصل، أشاد صدقي بقدرة المطارات المصرية على الصمود خلال فترات الأزمات العالمية دون تأثر يُذكر، ما يعدّ دليلًا واضحاً على قوة الإدارة وكفاءة البنية التحتية في هذه المطارات.
كما شدّد على ضرورة الاستثمار بسياحة الترانزيت كما فعلت أبوظبي ودبي وإسطنبول، مبيناً أن هذا النوع من السياحة يحقق مكاسب ضخمة، ويزيد من كفاءة تشغيل المطارات المحلية.
كما تحدث صدقي عن «رأس الحكمة» باعتبارها أحدث المدن السياحية المخططة في مصر، مشيراً إلى أن الساحل الشمالي سيضم مطاراً حديثاً وبنية تحتية عالمية المستوى، مما يجعلها نقطة جذب استثمارية وسياحية فريدة للغاية.
وأكد، أن الساحل الشمالي ليس مجرد مشروع عقاري فحسب، بل مدينة سياحية متكاملة يقودها المطور العقاري برؤية عالمية متميزة، وهي ستغير خريطة السياحة على البحر الأبيض المتوسط، وتجعل مصر في صدارة الدول الأكثر استقطاباً وجذباً للسيّاح من مختلف دول العالم.
وخلال الفترة الماضية، وقّعت الحكومة المصرية اتفاقية شراكة استراتيجية بين مجموعة فنادق ومنتجعات «صن رايز» المصرية، ومجموعة «ماينور» الدولية للضيافة، صاحبة العلامة التجارية الشهيرة «أنانتارا» من أجل افتتاح وإدارة 50 فندقاً جديداً في البلاد.
وفي شهر سبتمبر الماضي، وقّعت الحكومة عقود شراكة مع شركتي «إعمار مصر» التابعة لمجموعة «إعمار العقارية» الإماراتية، و«سيتي ستارز» السعودية، لإطلاق مشروع عملاق في البحر الأحمر يحمل اسم «مراسي البحر الأحمر»، باستثمارات تصل إلى 900 مليار جنيه (18.86 مليار دولار).
سبق ذلك، توقيع صفقة الاستثمار المباشر الأضخم في تاريخ مصر، وهي «مدينة رأس الحكمة»، التي وقعتها الحكومة مع «القابضة الإماراتية» (ADQ) باستثمارات مباشرة قدرها 35 مليار دولار.
من جهة أخرى، تطرق صدقي إلى التحديات التي تواجه المستثمرين المحليين، وعلى رأسها تعدد الرسوم والإجراءات المعقدة، داعياً إلى العمل من أجل تطبيق نظام «الشباك الواحد» وتوسيع نطاق الخدمات الإلكترونية.
وقال الخبير السياحي البارز: «عندما يثق المستثمر المحلي في الدولة، تنتقل هذه الثقة تلقائياً إلى نظيره المستثمر الأجنبي، وهذا هو الطريق الحقيقي لجذب المزيد من رؤوس الأموال العالمية والأجنبية إلى مصر».
وقبل أيام، قال وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري، حسن الخطيب، إن بلاده تستهدف رفع معدلات الاستثمارات الأجنبية بنسبة تتراوح بين 20 و30% هذا العام، لتصل إلى نحو 12 مليار دولار بنهاية 2025، لافتاً إلى أنها نجحت في جذب استثمارات أجنبية مباشرة تتراوح بين 8 و10 مليارات دولار سنوياً.
وفي محاولة جادة لمعالجة بعض مكامن الخلل، أطلقت الوزارة في شهر يونيو الماضي، منصة رقمية موحدة مؤقتة تضم 41 جهة حكومية، وتقدّم أكثر من 460 خدمة إلكترونية للمستثمرين، على أن يتم استبدالها قريباً بمنصة رقمية متكاملة تشمل جميع مراحل تأسيس الشركات، والحصول على التراخيص والموافقات.
وبيّن الخطيب، أن المنصة الجديدة تقوم على إعادة هندسة شاملة للإجراءات الحكومية وتحويلها إلى منظومة رقمية متكاملة تتوافق مع المعايير العالمية في إدارة الاستثمار، مشيراً إلى أن هذا التحول يمثل خطوة استراتيجية في مسيرة بناء مستقبل الأعمال المصرية، ويسهم في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني على مؤشر ممارسة الأعمال عالمياً.
اعتبر صدقي أن التجربة السياحية المصرية تظل الأكثر تميزاً في المنطقة العربية ككل، لكنها بحاجة إلى أجندة فعاليات غنية ومتنوعة على مدار العام من أجل جذب المزيد من الزوار من مختلف الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن الساحل الشمالي لعب دوراً مهماً للغاية في تغيير مفهوم السياحة العربية في مصر، مضيفاً أن: «التطور السياحي في هذه المنطقة يعكس صورة جديدة لمصر الحديثة».
وختم نائب رئيس لجنة السياحة في الغرفة الأميركية بالقاهرة، والمدير العام لشركة «ترافكو هوليدايز» تصريحاته بالتأكيد على أن: «مصر تسير بخطى ثابتة وواثقة نحو زيادة عدد السياح وذلك بفضل تفردها بما تمتلكه من إمكانيات ومقومات خلابة على كافة المستويات».
تستهدف مصر رفع مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي من مستوى 3.4% العام الماضي إلى 3.8% بنهاية العام الحالي، و3.9% العام المقبل، و4.1% في 2027، و4.3% في 2028، و4.5% في 2029، وفق بيانات رسمية.
في عام 2030، وضعت الحكومة ثلاثة سيناريوهات لتحديد مدى مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي، الأول «أساسي» وتوقّعت فيه بلوغ مساهمة القطاع 4% من الناتج المحلي، والثاني «متحفظ» وتوقّعت فيه انخفاض المساهمة إلى 3.5%، أما الثالث فحددته وفق الإصلاحات المستهدفة وتوقعت فيه بلوغ الحصة نحو 4.7%.