
المحاسبة لا تكون على الشاشات.. ولبنان بحاجة إلى قضاء جاد
السنيورة: الدولة لا تفلس.. لكن الإدارات الفاشلة هي التي تُفلسها
«لا دولة بسلطتَين»! عبارة يردّدها رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، فؤاد السنيورة، عند الحديث عن رؤيته للنهوض الاقتصادي في لبنان وإعادة بناء الدولة التي خسرت من «هيبتها واقتصادها ووحدتها» شيئاً فشيئاً على مدى العقود الماضية، إلى أن دخلت في أزمة اقتصادية ومالية تعتبر «ضمن أشد عشر أزمات، وربما إحدى أشد ثلاث أزمات، على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر»، بحسب ما جاء في تقرير للبنك الأولي منتصف العام 2021.
السنيورة، وفي مقابلة خاصة مع «إرم بزنس»، حدّد شرطاً وحيداً للإنقاذ، وهو «حصرية السلاح بيد الدولة»، معتبراً أن أخطر ما أصاب لبنان هو «وجود سلطتين تتنازعان القرار». وقال إن سلاح حزب الله وارتباطه الإقليمي عطّلا مسار بناء الدولة، وإن المخرج الوحيد هو تطبيق مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة.
ما من خلاص للبنان إلا بحصرية السلاح بيد الدولة.. فالدولة هي التي تحمي جميع المكونات، وليست المكونات هي التي تحمي الدولة
يُرجع السنيورة جذور الأزمة إلى بداية اندلاع الحرب الأهلية العام 1975، عندما تنازل لبنان عن جزء من سيادته «لصالح العمل الفدائي الفلسطيني، ما فتح الباب أمام انهيار متدرج في مؤسسات الدولة وماليتها العامة»، قائلاً إنه منذ ذلك الحين لم تسجّل الخزينة اللبنانية فائضاً واحداً، بل عجزاً متراكماً وديناً عاماً متضخماً بسبب غياب الإصلاح والإدارة الرشيدة. وجاءت بعد ذلك الاجتياحات الإسرائيلية المتكرّرة منذ 1978 وحتى 2006 لتزيد من إنهاك الدولة، في وقت استمر الداخل في إنتاج سلطات طائفية متنازعة زرعت محسوبياتها في مفاصل الدولة بدل العمل على إصلاحها.
السنيورة الذي شغل منصب رئيس الوزراء بين عامي 2005 و2009، بعدما كان قد تقلّد مرّات عدة منصب وزير المالية أثناء تولي رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري رئاسة الوزارة بين 1992 و2004، يحمّل الدولة اللبنانية ككل مسؤولية الأزمات المتتالية، بغض النظر عن التأثيرات والضغوط الخارجية، وهو في هذا السياق يقول عن انهيار 2019-2020 الذي فقدت فيه الليرة اللبنانية نحو 95% من قيمتها وتبخّرت معه الودائع في المصارف، إن «الدولة اللبنانية بمؤسساتها التشريعية والتنفيذية» تتحمّل المسؤولية الأولى، يليها في تحمّل المسؤولية «مصرف لبنان»، ومعه القطاع المصرفي، اللذان خالفا أبجديات العمل المالي والمصرفي.
وحول ذلك، قال السنيورة: «حاكم مصرف لبنان السابق سهّل سياسات شعبوية طمعاً بالرئاسة»، بينما وضعت المصارف كل أموالها في سلة واحدة هي الدين العام؛ ما أدّى بالنتيجة إلى الانهيار المالي.
مع تأكيده على أهمية أن تكون السلطة التنفيذية موحّدة، وأن يكون هناك تضامن ووحدة في الموقف بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة كما هو عليه الوضع اليوم، رأى السنيورة أن تنفيذ قرارات حصرية السلاح الصادرة في أغسطس وسبتمبر الماضيين، يمثل الاختبار الحقيقي لجدية العهد الجديد الذي انطلق مع انتخاب رئيس الجمهورية جوزيف عون مطلع العام الجاري.
كذلك، دعا إلى تفعيل المحاسبة عن كل تقصير أو فساد أو هدر للمال العام للنهوض بالدولة اللبنانية من جديد، لكنّه أكد في الوقت ذاته أن «المحاسبة لا تكون على الشاشات.. فلبنان يحتاج قضاءً جاداً، لا مهرجانات اتهام».