الحكومة تتحمل 60% من تكلفة تقديم خدمات الاتصالات
انقطاعات الاتصالات في السويداء لصعوبات لوجستية ونقص الوقود

في وقت يواجه فيه قطاع الاتصالات السوري واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ سنوات، وسط ضغوط نقدية وتشغيلية وبنيوية متراكمة، تتحرك الدولة لإعادة ترتيب المشهد الرقمي باعتباره أحد مفاتيح الاستقرار الاقتصادي والخدمي في المرحلة الانتقالية.
وتتقاطع هذه التحركات عند حزمة إجراءات تمتد من إدارة آثار تبديل العملة وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، إلى إطلاق مسار تحديث للبنية التحتية يستهدف مضاعفة سعات الإنترنت خلال أشهر قليلة، وصولًا إلى مشاريع ربط إقليمي تراهن عليها دمشق للتحول تدريجياً إلى نقطة عبور للبيانات على مستوى المنطقة، ضمن رؤية تضع الاقتصاد الرقمي في صلب التعافي.
وفي حوار خاص لـ«إرم بزنس» تحدث المدير العام للهيئة الوطنية لخدمات تقانة المعلومات، شحادة الإبراهيم، عن ملامح رؤية اقتصادية رقمية تراهن على البنية التحتية كرافعة تعافٍ تدريجي.
ووفق ما أوضحه الإبراهيم، بدأت الهيئة الوطنية لخدمات تقانة المعلومات، باتخاذ إجراء استثنائي تمثل في إعادة تفعيل خدمات الاتصالات الثابتة للخطوط التي كانت موقوفة بسبب عدم تسديد الفواتير لمدة شهر.
وبحسب الإبراهيم، فإن الهدف الأساسي من هذه الخطوة كان ضمان استمرارية الخدمة خلال فترة تبديل العملة وتحديث أنظمة الفوترة، وليس تحقيق إيرادات آنية.
وفيما يخص ملف التسعير والفوترة، أكد الإبراهيم أن التحويل إلى الليرة السورية الجديدة جرى وفق قاعدة واضحة وثابتة وهي كل 100 ليرة قديمة تعادل ليرة جديدة واحدة، دون أي زيادات أو عمليات تقريب، مع إلزام جميع مراكز الخدمة بالتقيد الصارم بالأسعار المعتمدة.
ولفت المدير العام للهيئة الوطنية لخدمات تقانة المعلومات إلى أنه قد جرى تحديث المنظومة بالكامل خلال أسبوع واحد فقط من إطلاق العملة الجديدة، بما سمح باستعادة انتظام العمليات تدريجيًا.
وبيّن أن خلال فترة توقف قنوات الدفع الإلكتروني المرتبطة بتعديلات تبديل العملة، لجأت الشركة إلى توسيع شبكة مراكز التحصيل في مختلف المحافظات بهدف تسهيل عمليات السداد والحد من الازدحام، بالتوازي مع إعادة التفعيل المؤقت لبعض الخطوط.
أما على صعيد التعاون الإقليمي، فقد أوضح الإبراهيم أن مذكرة التفاهم الموقعة مع الجانب الأردني تمثل إطاراً تجارياً للتعاون في تصميم وبناء وتشغيل بنية تحتية رقمية متكاملة.
وأضاف: «تشمل هذه المذكرة تطوير الكابلات الضوئية التي تربط دمشق بالحدود الأردنية، وربط الشركة السورية للاتصالات بمنصات مدينة العقبة الرقمية المحايدة».
وتابع: «تتضمن هذه المنصات مراكز بيانات، ومحطة إنزال، ونقطة تبادل الإنترنت (AqabaIX)، إلى جانب حلول متقدمة في الحوسبة السحابية والأمن السيبراني».
ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع من الانفتاح الاستثماري الإقليمي على البنية التحتية السورية، إذ أعلنت دمشق والرياض، توقيع خمس اتفاقيات جديدة بقيمة إجمالية تقارب 53 مليار دولار، تشمل قطاعات حيوية من بينها البنية التحتية والخدمات والاتصالات، في إطار دعم مسار التعافي الاقتصادي وإعادة بناء القطاعات الإنتاجية والخدمية.
في مسار موازٍ لخطط تحديث الشبكات، تدرس الحكومة السورية طرح رخصة جديدة لتشغيل خدمات الهاتف المحمول عبر مزاد علني، ضمن جهود إعادة هيكلة قطاع الاتصالات المتراجع منذ سنوات وجذب استثمارات عربية وأجنبية. وتشير مصادر إلى أن المزاد قد يشمل إدارة إحدى الشبكتين القائمتين (سيريتل أو MTN) وتستهدف الحكومة استثمارات تتراوح بين رسوم ترخيص وتعزيز البنية التحتية تبلغ مئات الملايين من الدولارات، في خطوة من شأنها تعزيز المنافسة وتحسين جودة الخدمات الرقمية.
وعن الأثر الاقتصادي المتوقع لهذا التعاون، أوضح الإبراهيم خلال الحوار، أن المشروع يستهدف تعزيز الربط الضوئي المباشر بين دمشق وعمان عبر شبكة ألياف متكاملة وصولًا إلى الحدود الأردنية، وربط الشبكة السورية بمنصات العقبة الرقمية.
ومن شأن هذا المسار، بحسب الإبراهيم، تقليل الاعتماد على المسارات الوسيطة في نقل البيانات، ورفع مستوى الاعتمادية والاستقرار في النقل الرقمي، موضحا أن ذلك ينعكس تدريجيًا على تكاليف نقل البيانات بالنسبة للشركات الإقليمية، وفق عقود سعات سيتم توقيعها لاحقا، ما يمنح سوريا موقعا أكثر تنافسية على خريطة العبور الرقمي.
أما في صلب خطة التحديث، كشف الإبراهيم أن المرحلة الأولى تركز على تطوير معدات ومحطات الكابل القائم، بما يؤدي إلى مضاعفة سعة الإنترنت الواردة إلى سوريا خلال شهرين فقط.
وأكمل أن الخطة الاستراتيجية لوزارة الاتصالات تعتمد على تكامل مشاريع كبرى، من بينها «سيلك لينك» و«برق نت» و«أوغاريت 2»، بهدف الوصول إلى سعات تصل إلى 100 تيرا، وتحويل سوريا إلى نقطة عبور إقليمية ودولية لحركة البيانات.
ويُعدّ مشروع «سيلك لينك» أحد أعمدة هذه الخطة، إذ فازت شركة الاتصالات السعودية STC بتنفيذه بقيمة تقارب 800 مليون دولار، وفق ما نُشر في تقارير حديثة، في إطار شراكة تستهدف تطوير البنية التحتية للألياف الضوئية وتعزيز قدرات الربط الإقليمي ونقل البيانات.
وفيما يتعلق بانقطاعات الاتصالات في محافظة السويداء، أوضح الإبراهيم أن الأسباب تعود إلى صعوبات تقنية ولوجستية، أبرزها نقص الوقود اللازم لتشغيل التجهيزات في المقاسم والأبراج، إضافة إلى تعقيدات الإمداد في ظل الظروف الراهنة.
وأشار إلى أن هذه التحديات ترفع النفقات التشغيلية بشكل ملحوظ، نتيجة الاعتماد على المولدات، ونقل الوقود، وتنفيذ أعمال صيانة طارئة.
ورغم ذلك، أكد أن جميع الإحصائيات المرتبطة بهذه التكاليف تُعالج داخلياً، في إطار أولوية قصوى تتمثل بضمان استمرارية الخدمة لأهالي السويداء بأفضل جودة ممكنة.
أما عن تفعيل التجوال المحلي، فبين الإبراهيم أنه يأتي كحل إسعافي لدعم التغطية، بما يتيح للمشترك استخدام الشبكة الأقرب، سواء «سيريتل» أو (MTN)، لضمان أوسع نطاق خدمة ممكن في الظروف الطارئة.
وأوضح أن عمليات تسوية بدل تقديم الخدمات بين المشغلين تتم وفق آليات تنظيمية محددة، لافتاً إلى أن الحكومة تتحمل نسبة تصل إلى 60% من تكلفة تقديم بعض الخدمات التي توفرها شركات الاتصالات الخلوية.
وقال إن هذا الدعم يهدف إلى ضمان استمرارية الخدمة وتحسين جودتها دون تحميل المشترك أعباء إضافية.
في سياق موازٍ، كشف الإبراهيم أن الجهاز المركزي للرقابة المالية «اكتشف حالات فساد مالي في عقود تعود لفترة النظام البائد، بقيمة إجمالية تبلغ نحو 7 مليارات ليرة سورية، في فرعي الشركة بريف دمشق ودير الزور».
وأوضح أن التحقيق شمل «أربعة عقود، جرى صرف نحو 4 مليارات ليرة منها دون وجه حق كتعويضات، مع صدور قرارات حجز احتياطي بحق المتورطين لضمان استرداد الأموال، وإحالتهم إلى القضاء للتوسع في التحقيق بعقود تعود للفترة بين 2022 و2024».
واختتم شحادة الإبراهيم المدير العام للهيئة الوطنية لخدمات تقانة المعلومات السورية، بالتأكيد على أن القيمة النهائية التي يمكن استردادها تبقى مرهونة بأحكام القضاء وآليات تنفيذها.