استثمارات بكين في مصر قفزت إلى 10 مليارات دولار بدعم من «تيدا»

تستهدف مصر استقطاب 4 مناطق صناعية أجنبية جديدة من كوريا الجنوبية وروسيا والهند وسلطنة عُمان خلال الفترة المقبلة، في إطار توجه حكومي لتعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وتوسيع القاعدة الصناعية، وتوفير المزيد من فرص العمل، ودعم مساعي البلاد للتحول إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير.
وتراهن القاهرة على هذه المناطق في جذب استثمارات ومشروعات صناعية قادرة على توطين الإنتاج، وتعميق التصنيع المحلي، وتوسيع الصناعات المغذية والمكملة، وإحلال الواردات، بما يسهم في خفض الضغط على فاتورة الاستيراد، إلى جانب بناء قاعدة إنتاجية وتصديرية أكثر قدرة على النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق هدف مصر لناحية رفع قيمة صادراتها إلى 100 مليار دولار سنوياً بحلول 2030، عبر زيادة الطاقة الإنتاجية للقطاعات الصناعية، وجذب الشركات الأجنبية التي تمتلك خبرات تكنولوجية وشبكات توزيع وأسواقاً تصديرية قائمة.
وأعادت زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى كوريا الجنوبية، هذا الأسبوع، ملف المناطق الصناعية الأجنبية إلى الواجهة، بعدما جددت مصر دعوتها للشركات الكورية لإقامة منطقة صناعية متكاملة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وتأتي الدعوة المصرية إلى الجانب الكوري بعد مبادرات مماثلة لاستقطاب مناطق صناعية من الهند وسلطنة عُمان وروسيا، فيما تبدو المنطقة الروسية الأقرب إلى التنفيذ، بعدما أخطر الجانب الروسي مصر، منتصف يوليو الماضي، باختيار مطور صناعي للمشروع المستهدف إقامته في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وبالتوازي، تواصل القاهرة مباحثاتها مع الهند وسلطنة عُمان لتسريع إجراءات إنشاء منطقة صناعية هندية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب منطقة صناعية عُمانية تعمل بنظام المطور الصناعي.
ويرى نائب رئيس المنطقة الاقتصادية لقناة السويس للاستثمار والترويج سابقاً، إبراهيم مصطفى، أن إقامة منطقة صناعية تضم شركات من دولة واحدة يمكن أن تسهم في تشكيل تجمعات صناعية وإنتاجية متكاملة، بما يتيح للشركات الاستفادة من قربها من بعضها، ويدعم التوسع في الصناعات المغذية والمكملة، بدلاً من عمل كل مصنع بصورة منفردة.
وأضاف مصطفى، لـ«إرم بزنس»، أن تنفيذ هذه المناطق وفق نموذج المطور الصناعي يوفر بيئة متكاملة للإنتاج والتصنيع والتصدير، خصوصاً مع قربها من الموانئ، وهو ما يمنحها ميزة لوجستية في حركة المواد الخام ومستلزمات الإنتاج والمنتجات النهائية، فضلًا عن تسهيل ربط المصانع بالأسواق الخارجية.
وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة بالنسبة إلى المناطق الصناعية المقامة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس؛ نظراً لموقعها على أحد أهم الممرات التجارية العالمية، بما يسمح للمصانع بتقليل زمن وتكلفة الوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
ولا تقتصر أهداف مصر من إقامة المناطق الصناعية الأجنبية على زيادة حجم الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ يستهدف النموذج توطين صناعات مترابطة، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، وزيادة نسبة المكون المحلي، وإحلال جزء من الواردات، وتعظيم القيمة المضافة الصناعية، إلى جانب رفع القدرة التصديرية للاقتصاد.
وقال مصطفى، إن استقطاب الصناعات المترابطة يمثل أحد الأهداف الرئيسية لهذه المناطق، بما يسمح ببناء سلاسل قيمة صناعية متكاملة داخل السوق المصرية، بدلاً من اقتصار الاستثمارات الأجنبية على إنشاء مصانع منفردة تعتمد بدرجة كبيرة على مدخلات مستوردة.
ويربط مصطفى نجاح المناطق الصناعية الأجنبية المرتقبة في تحقيق هذه المستهدفات بقدرة الحكومة على اختيار مطورين صناعيين ذوي خبرة وقدرة تمويلية وتنفيذية، إلى جانب استقطاب شركات قادرة على ضخ استثمارات فعلية، والاستفادة من التجربة التي قدمتها شركة «تيدا» الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وتوقع أن تستكمل المنطقة الصناعية الكورية المستهدفة النجاحات التي حققتها المنطقة الصينية في مصر، خاصة في قطاعات السيارات ومكوناتها، والأجهزة المنزلية، والصناعات التكنولوجية، بما يتناسب مع قاعدة الشركات الكورية وخبراتها الصناعية والتكنولوجية.
وفي المقابل، رجّح أن تركز المنطقة الروسية المستهدفة على جذب صناعات ثقيلة، من بينها الحديد والصلب والصناعات الهندسية الكبيرة، في حين توقع أن تستقطب المنطقة الهندية استثمارات في قطاعات مثل الكيماويات والأدوية والأسمدة.
وتعكس هذه التوجهات رغبة مصر في تنويع قاعدة الاستثمارات الصناعية الأجنبية وفق المزايا التنافسية والخبرات المتخصصة لكل دولة، بما يعزز التكامل بين الاستثمارات الأجنبية والقدرات الإنتاجية المحلية.
ويرى مصطفى أن المناطق الصناعية المستهدفة يمكن أن تسهم في دعم هدف مصر لرفع صادراتها إلى 100 مليار دولار سنوياً بحلول 2030، خصوصاً إذا نجحت في استقطاب شركات تمتلك منتجات ذات قدرة تنافسية، وأسواقاً خارجية، وشبكات توزيع، وخططاً تصديرية واضحة.
وقال نائب رئيس مجلس الأعمال المصري الصيني، مصطفى إبراهيم، إن المنطقة الصناعية الصينية في العين السخنة أسهمت في تعزيز الاستثمارات الصينية في مصر، لترتفع إلى نحو 10 مليارات دولار بنهاية العام الماضي، متوقعاً وصولها إلى 14 مليار دولار بنهاية العام الحالي.
وتوقع إبراهيم أن تسهم المنطقة الصناعية الصينية في جذب استثمارات جديدة من الشركات الصينية بقيمة تصل إلى 3 مليارات دولار، مع تنفيذ الخطة التوسعية المستهدفة للمنطقة.
وتعكس هذه التوقعات الدور الذي يمكن أن تؤديه المناطق الصناعية القائمة في جذب موجات جديدة من الاستثمار، من خلال توفير بنية تحتية صناعية ولوجستية جاهزة، وربط المستثمرين بسلاسل التوريد المحلية والأسواق الخارجية.
ويأتي توسع مصر في استقطاب المناطق الصناعية الأجنبية في وقت تبرز فيه تجربة المنطقة الصناعية الصينية «تيدا» في العين السخنة باعتبارها أحد أبرز النماذج التي تراهن عليها القاهرة في تطوير التجمعات الصناعية المتخصصة.
وتضم المنطقة حالياً أكثر من 200 شركة، باستثمارات تتجاوز 3.6 مليار دولار، فيما تصل المبيعات والصادرات إلى نحو 6.6 مليار دولار، وفق تقديرات الرئيس التنفيذي لشركة تطوير منطقة «تيدا» في مصر، نهلة عماد، في تصريحات صحفية سابقة.
ويرى نائب رئيس المنطقة الاقتصادية لقناة السويس للاستثمار والترويج سابقاً، إبراهيم مصطفى، أن تجربة «تيدا» في العين السخنة تعد من أنجح نماذج المطور الصناعي في مصر؛ إذ طوّرت الشركة نحو 7 كيلومترات مربعة منذ بدء عملها، وأسهمت في توفير نحو 10 آلاف فرصة عمل مباشرة، إلى جانب تحقيق عوائد تصديرية كبيرة.
ويشير نموذج «تيدا» إلى أن وجود مطور صناعي متخصص لا يقتصر دوره على توفير الأراضي، وإنما يمتد إلى تطوير البنية التحتية والخدمات الصناعية واللوجستية، واستقطاب المستثمرين، وتهيئة بيئة أعمال تساعد على توطين الشركات وربطها بسلاسل الإنتاج والتصدير.
وأشار مصطفى إلى إمكانية تكرار هذا النموذج مع كوريا الجنوبية على وجه التحديد، لكنه ربط نجاح التجربة بالتعاقد مع مطور صناعي قوي واستقطاب شركات لديها القدرة على ضخ استثمارات فعلية وتوسيع قاعدة الإنتاج.
وبينما تتحرك مصر لاستقطاب 4 مناطق صناعية جديدة من كوريا وروسيا والهند وسلطنة عُمان، تراهن القاهرة على أن يتجاوز أثر هذه المناطق مجرد زيادة عدد المصانع والاستثمارات، إلى بناء منظومات إنتاج متكاملة تدعم توطين الصناعة، وتعميق المكون المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات، ورفع القدرة التنافسية للصادرات المصرية.
ويبقى نجاح هذه الاستراتيجية مرتبطاً بقدرة مصر على تحويل الاتفاقات والمباحثات إلى مشروعات استثمارية فعلية، وجذب شركات ذات طاقة إنتاجية وتصديرية، بما يسمح للمناطق الصناعية الأجنبية بأن تصبح محركات للنمو الصناعي، وليس مجرد تجمعات استثمارية منفصلة.