
في عالم يشهد سباقاً محموماً نحو الطاقة النظيفة، برز اكتشاف جيولوجي ضخم في جنوب إفريقيا قد يغيّر قواعد اللعبة. فبينما كانت بطاريات الليثيوم تحتكر المشهد وتُعتبر العمود الفقري للبطاريات، جاء إعلان العثور على أكثر من 433 مليون طن من المنغنيز ليطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام نهاية عصر الليثيوم وبداية حقبة جديدة تقودها معادن أكثر وفرة وأقل تكلفة؟
منذ أكثر من عقد، يعتبر الليثيوم بمثابة العمود الفقري للتكنولوجيا الحديثة، إذ تستخدم بطارياته في الهواتف الذكية، وأجهزة الحاسوب المحمولة، وأنظمة تخزين الطاقة المتجددة، وبالطبع في السيارات الكهربائية. وما يجعل الليثيوم مفضلاً هو خفة وزنه، وقدرته العالية على تخزين الطاقة، وكفاءته في تشغيل الأجهزة.
لكن، وعلى الرغم من هذه المزايا، يعاني الليثيوم من عدة مشكلات أثارت قلق المصنعين والباحثين، من بينها ندرة المصادر، حيث يتركز إنتاجه في عدد محدود من الدول مثل أستراليا وتشيلي والصين. كذلك تبرز مشكلة ارتفاع الأسعار نتيجة تزايد الطلب العالمي، إلى جانب الأثر البيئي، حيث أن عمليات التعدين تحتاج إلى كميات هائلة من المياه، وتؤثر سلباً على النظم البيئية الهشة. وهذه التحديات دفعت العلماء والشركات إلى البحث عن بدائل أكثر استدامة وأقل تكلفة.
وهنا يدخل المنغنيز إلى الساحة.
يتم استخدام المنغنيز تقليدياً في صناعة الصلب، لكن أهميته ارتفعت مؤخراً بفضل دوره في تطوير بطاريات أكثر استقراراً وأطول عمراً. وتُظهر الدراسات أن دمجه في بطاريات مثل الليثيوم- منغنيز، أو النيكل- منغنيز- كوبالت، قد يحسّن أداءها بشكل ملحوظ.
بالإضافة إلى ذلك، للمنغنيز عدة مزايا تجعله منافساً قوياً لليثيوم من بينها أنه أقل سمّية وأكثر أماناً للتعامل وإعادة التدوير، وهو متوافر بكثرة في أنحاء العالم، ما يقلل خطر الاحتكار أو النقص. والأهم أن تكلفة استخراجه أقل، ولا يتطلب كميات كبيرة من المياه.
الحدث الأبرز جاء من منجم مامتوان في جنوب إفريقيا، الذي يضم ما يقارب 80% من الاحتياطي العالمي المعروف من المنغنيز. والتقديرات الأخيرة التي تشير إلى وجود 433 مليون طن من هذا المعدن تجعل جنوب إفريقيا مرشّحة لتكون لاعباً محورياً في اقتصاد الطاقة النظيفة.
ففي وقت كانت فيه دول مثل أستراليا وتشيلي والصين تتصدر مشهد الليثيوم، يبدو أن المنغنيز يمنح جنوب إفريقيا فرصة تاريخية لتصدر مشهد البطاريات العالمية. وهذه الكمية سيكون لها انعكاسات محتملة على سوق الأجهزة والسيارات الكهربائية لأنها قد تؤدي في حال استغلالها إلى انخفاض الأسعار، لأن البطاريات التي تعتمد على المنغنيز قد تكون أقل تكلفة. في السياق عينه قد تؤدي وفرة المنغنيز في دول عديدة إلى تقليل الاعتماد على مصادر محدودة كما يحصل حالياً مع الليثيوم، وهو ما يعزز استقرار السوق.
بدأت العديد من الشركات الكبرى بالفعل اهتمامها بتقنيات تعتمد على المنغنيز، لما توفره من أداء عالٍ بتكلفة منخفضة. وفي الوقت الذي يجري فيه استكشاف حلول مبتكرة أخرى، مثل بطاريات تعتمد على البكتيريا، يرى خبراء أن المنغنيز قد يكون الخيار العملي الأقرب على المدى المتوسط.
وعلى الرغم من كل ذلك، لا يعني هذا أن الليثيوم في طريقه إلى الزوال، فبطاريات الليثيوم لا تزال الأكثر انتشاراً وفاعلية في كثير من الاستخدامات. لكن الاعتماد الكلي عليها لم يعد خياراً آمناً اقتصادياً وبيئياً، والجمع بين الليثيوم والمنغنيز، قد يؤدي إلى بطاريات أكثر أماناً، وأقل كلفة، وأكثر استدامة.