
لم تعد مراكز البيانات مجرد منشآت تقنية تعمل في خلفية الاقتصاد الرقمي، بل تحولت إلى ملف اقتصادي وسياسي شديد الحساسية في الولايات المتحدة، مع تسارع الطلب على قدرات الحوسبة اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي.
فكلما توسعت شركات التكنولوجيا في بناء مراكز بيانات جديدة، ارتفعت معها أسئلة محلية صعبة حول استهلاك الكهرباء والمياه، وضغط هذه المشاريع على شبكات الطاقة، وحجم الشفافية في الاتفاقات الموقعة مع الحكومات المحلية.
وفي محاولة لاحتواء هذا الجدل، أعلنت أمازون أنها لم تعد تستخدم اتفاقيات عدم الإفصاح مع الجهات الحكومية في مشاريع مراكز البيانات، وفقاً لـ«تك كرنش»، نقلاً عن مات غارمان، الرئيس التنفيذي لـ«أمازون ويب سيرفيسز».
وتأتي الخطوة بعد انتقادات متزايدة لاتفاقيات السرية، التي رأت جهات محلية أنها منعت مسؤولين في بعض الحالات من الكشف عن تفاصيل تتعلق بالمشاريع، بما في ذلك هوية الشركات المشاركة، وحجم استهلاك الطاقة والمياه، والحوافز المقدمة للمطورين، وفقاً لـمنصة «وايرد» التي تتابع أخبار شركات التكنولوجيا.
تعكس المواجهة حجم الرهان الاقتصادي على مراكز البيانات. فهذه المنشآت أصبحت العمود الفقري للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى أراض واسعة، وكهرباء مستقرة، ومياه للتبريد، وشبكات نقل وطاقة قادرة على تحمل الطلب الجديد.
ووفقاً لـ«تك كرنش»، رفعت أمازون تقديراتها للإنفاق الرأسمالي في 2026 من 200 مليار دولار إلى 220 مليار دولار، في مؤشر على حجم الأموال المطلوبة لمواكبة الطلب على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
لكن المشكلة لا تتعلق بحجم الاستثمار فقط، بل بمن يتحمل كلفته غير المباشرة. فالمجتمعات التي تستضيف مراكز البيانات تخشى أن يؤدي الطلب المرتفع على الكهرباء إلى زيادة فواتير المستهلكين، أو تأجيل مشاريع أخرى مرتبطة بالبنية التحتية، أو استنزاف الموارد المائية في مناطق تعاني أصلاً ضغوطاً بيئية.
وتقول أمازون إن ارتفاع أسعار الكهرباء في بعض المناطق لا يرتبط بالضرورة بمراكز البيانات وحدها، بل يعود أيضاً إلى تقادم الشبكات وعدم الاستثمار الكافي في توسعتها. لكن تقارير وبيانات تنظيمية ربطت بين نمو مراكز البيانات وارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة في بعض الشبكات الأميركية؛ ما جعل الملف ينتقل من نقاش تقني إلى قضية معيشية وسياسية.
يحاول الرئيس التنفيذي لـ «أمازون ويب سيرفيسز» تخفيف المخاوف المرتبطة بالمياه، مستنداً إلى بيانات أمازون التي تقول إن الاستهلاك المباشر لمراكز البيانات يمثل نحو 0.5% فقط من إجمالي الاستخدام الصناعي للمياه في الولايات المتحدة، وهو أقل من قطاعات أخرى مثل ملاعب الغولف وزراعة اللوز.
لكن هذا الطرح لا ينهي الجدل؛ لأن الاستهلاك المباشر لا يعكس دائماً الصورة الكاملة. فهناك مياه غير مباشرة تدخل في توليد الكهرباء، وتصنيع الشرائح الإلكترونية، وسلاسل التوريد المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية.
ووفقاً لـوكالة «أسوشيتد برس»، قد تستهلك مراكز البيانات الكبيرة كميات ضخمة من الطاقة والمياه، فيما توقعت جامعة الأمم المتحدة أن تمثل مراكز البيانات نحو 3% من استهلاك الكهرباء عالمياً بحلول 2030.
وتزداد أهمية هذه الأرقام لأن الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى مراكز بيانات تقليدية فقط، بل إلى منشآت أكثر كثافة في استهلاك الطاقة، بسبب الحاجة إلى تدريب وتشغيل نماذج ضخمة، ومعالجة كميات هائلة من البيانات في وقت قصير.
ضمن محاولة تهدئة الاعتراضات المحلية، تعهدت أمازون باستثمار أكثر من مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة في المجتمعات التي تستضيف مراكز بياناتها، وفقاً لـ«أسوشيتد برس».
وتقول الشركة إن هذه الأموال ستوجه إلى التعليم، وبرامج الكليات المجتمعية، والتدريب الوظيفي، وكفاءة الطاقة، والحفاظ على الموارد، إضافة إلى مبادرات تحددها المجتمعات المحلية نفسها.
كما أكدت أمازون، عبر موقعها الرسمي، أنها أنفقت بالفعل أكثر من مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية في مجتمعات تمتلك فيها حضوراً مهماً لمراكز البيانات.
لكن منتقدين يرون أن هذه التعهدات، رغم أهميتها، تبقى محدودة مقارنة بحجم الإنفاق الكلي على مراكز البيانات، والذي يصل إلى عشرات أو مئات المليارات من الدولارات. لذلك، لا يُنظر إلى الإنفاق المحلي باعتباره عملاً اجتماعياً فقط، بل كجزء من تكلفة الحصول على القبول المحلي للمشاريع.
يمثل التخلي عن اتفاقيات عدم الإفصاح تحولاً مهماً في طريقة تعامل أمازون مع الحكومات المحلية، لكنه لا ينهي الجدل حول الصناعة ككل.
فقد شهدت ولايات ومدن أميركية اعتراضات متزايدة على مشاريع مراكز البيانات، فيما يجري النظر في أكثر من 100 وقف موقت أو قيد محلي على هذه المشاريع في الولايات المتحدة، وفقاً لتصريحات غارمان التي نقلتها وسائل إعلام أميركية.
كما طُرح في الكونغرس مشروع قانون من الحزبين باسم «قانون لا أسرار لمراكز البيانات لعام 2026»، يهدف إلى الحد من قابلية إنفاذ بنود عدم الإفصاح المرتبطة ببناء مراكز البيانات، خاصة عندما تكون هناك أموال عامة أو حوافز أو أراض حكومية مرتبطة بالمشروع، وفقاً لنص مشروع القانون المنشور على موقع «GovInfo» الأميركي.
اقتصادياً، تكشف هذه التطورات أن التحدي المقبل أمام شركات الذكاء الاصطناعي لن يكون تأمين الشرائح ورأس المال والطاقة فقط، بل الحصول على الترخيص الاجتماعي للتوسع.
فكلما تضخمت الاستثمارات، أصبحت المجتمعات المحلية أكثر قدرة على التأثير في سرعة تنفيذ المشاريع وكلفتها؛ ما يجعل الشفافية، وتقاسم المنافع، وحماية الموارد، جزءاً من إستراتيجية الأعمال لا مجرد بند في المسؤولية الاجتماعية.