
في خطوة تشريعية رائدة، اعتمدت ولاية كاليفورنيا سلسلة من القوانين الجديدة التي تهدف إلى تنظيم تقنيات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في سياق تطبيقات الدردشة والمنصات الاجتماعية. إلا أن هذه الإصلاحات تضع ضغوطاً على شركات التكنولوجيا الكبرى وتفرض مزيداً من الشفافية والضوابط لحماية المستخدمين، خصوصاً القُصّر منهم.
تزايد منسوب القلق العام من تأثيرات الذكاء الاصطناعي، من التضليل العميق (deepfakes) إلى المحادثات الضارة التي قد تشجع سلوكيات انتحارية أو محتوى جنسياً غير ملائم. في ظل غياب إطار اتحادي شامل في الولايات المتحدة، تسعى كاليفورنيا لتكون نموذجاً تنظيمياً عبر سن تشريعات محلية تتصدى لهذه المخاطر قبل أن تستفحل.
في هذا الإطار، وافق الحاكم غافين نيوزوم على عدد من القوانين، لكنه رفض مشروع قانون آخر اعتبره واسعاً جداً، قد يؤدي إلى حظر فعلي لاستخدام أدوات الدردشة من قِبل القُصّر.
أحد القوانين الموقعة يُلزم مطوري تطبيقات الدردشة بإضافة تنويه واضح للمستخدم إذا كان يتعامل مع نظام ذكاء اصطناعي وليس إنساناً، خاصة في الحالات التي قد يظن فيها المستخدم العكس. كما يُمنع على تطبيق الدردشة التطرق لموضوع الانتحار في محادثته مع مستخدم يُعرف بأنه قاصر. كما يُطلب من مزوّدي هذه الأدوات تقديم تقارير سنوية إلى مكتب كاليفورنيا المعني بالوقاية من الانتحار حول الإجراءات المتخذة للتعرف على المستخدمين المعرضين للانتحار والتفاعل معهم.
كما يجبر التشريع المنصات الاجتماعية على عرض تحذير مدته 10 ثوانٍ قابل للتخطي عند تسجيل الدخول لأول مرة يومياً من قِبل مستخدم قاصر. وإذا استخدم القاصر المنصة لأكثر من ثلاث ساعات، يُعرض تحذير يدوم 30 ثانية لا يمكن تخطيه، ويُعاد عرضه كل ساعة، ينبه التحذير إلى "خطر عميق على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين.
قانون آخر يُلزم مصنّعي الأجهزة (كالهواتف الذكية) بإدخال خيار التحقق من عمر المستخدم عند إعداد الجهاز، بحيث تُشارك هذه المعلومة مع مطوري التطبيقات لتصنيف المستخدمين. القانون لا يتطلب استخدام وثائق هوية أو موافقة من أولياء الأمور، بل يعتمد على العمر المعلن في الإعداد الأولي.
إلى ذلك، يطالب مشروع قانون يُعرف باسم قانون شفافية الذكاء الاصطناعي في كاليفورنيا المنصات الكبيرة ومصنّعي الأجهزة وجميع استضافات أنظمة الذكاء الاصطناعي بالكشف عن المصدر (provenance) للمحتوى الرقمي الناتج أو المعدّل بواسطة الذكاء الاصطناعي. مثلاً، يجب عرض شِعار أو تسمية تبين النظام الذي أنشأ المحتوى، وإمكانية فحص هذه المعلومات من قِبل المستخدم ويُمنع إزالة هذه البيانات أو توقيعها الرقمي.
تجدر الإشارة إلى أنه في حال الخرق، تفرض هذه القوانين العقوبات المدنية بما في ذلك غرامات يومية.
إلى جانب التشريعات المتعلقة بالمحادثات والمحتوى، اعتمد قانون يُلزم الشركات الكبرى التي تطور نماذج ذكاء اصطناعي قوية بإجراء اختبارات للمخاطر الكارثية (مثل استخدام النظام في هجمات بيولوجية، أو تعطيل بنية تحتية)، والالتزام بكشف حالات الحوادث الخطرة خلال 15 يوماً، مع حماية للمُبلّغين.
هذه التشريعات تمثل تحدياً مباشراً لشركات مثل (Meta) و(Google) و(OpenAI) وغيرها، التي قد تواجه تكاليف امتثال جديدة، وضغوطا قانونية في حال الفشل في الشفافية أو الحماية. في المقابل، رفض بعض مشاريع القوانين الأوسع، مثل حظر القُصّر من استخدام تطبيقات الدردشة بالكامل، يشير إلى محاولة التوازن بين التنظيم والابتكار، وتجنّب تشديد قد يضر بالجانب التعليمي والتطبيقي للتكنولوجيا.
كما أن بعض المعترضين يرون أن التشريعات قد تقيّد الابتكار بصورة مبكرة جدا، ومن هنا، قد تلجأ شركات التكنولجيا الكبرى إلى الطعن القانوني، خاصة فيما يتعلق بحرية التعبير أو الادعاءات الصحية التي تُلزم المنصات بعرض تحذيرات.
إذاً، تسعى ولاية كاليفورنيا إلى أن تكون نموذجاً في التنظيم التقني داخل أميركا والعالم. إلا أن القوانين الجديدة فيها تُشكّل محاولة طموحة لمواجهة مخاطر الذكاء الاصطناعي والتأثير الاجتماعي للمنصات الرقمية. فهل ستصمد كبرى شركات التكنولوجيا أمام اختبار مدى قدرتها على التكيّف مع متطلبات الشفافية والرقابة؟