النقل جرى وفق منظومة علمية وأمنية وتخطيط لوجستي غير مسبوق
القطع الأثرية جاءت من أسوان مروراً بـالأقصر والجيزة وحتى واحة سيوة

قال مدير إدارة آثار ما قبل التاريخ بوزارة السياحة والآثار المصرية، خالد سعد، إن عملية نقل الآثار إلى المتحف المصري الكبير كانت من أدق وأعقد العمليات الأثرية في تاريخ مصر الحديث.
أوضح في تصريحات لـ«إرم بزنس»، أن هذه العملية تمت وفق منظومة متكاملة جمعت بين الدقة العلمية والتأمين الكامل والتخطيط اللوجستي الدقيق، بما يضمن سلامة القطع الأثرية التي تمثل صفحات نادرة من تاريخ الحضارة المصرية.
وشهدت مصر، مساء السبت، حدثاً استثنائياً يتمثل في الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير، أحد أكبر الصروح الحضارية والثقافية في العالم.
أضاف سعد، أن المتحف المصري الكبير يعرض نحو 50 ألف قطعة أثرية، بخلاف 50 ألفاً أخرى بالمخازن، لم تُنقل فقط من المتحف المصري بالتحرير كما يعتقد البعض، بل جاءت من مختلف المخازن المتحفية والمناطق الأثرية في مختلف محافظات الجمهورية، بدءاً من أسوان مروراً بـالأقصر والجيزة وحتى واحة سيوة.
أشار إلى أنه تم تشكيل لجان علمية متخصصة ضمت نخبة من الأثريين والمُرممين والباحثين، مهمتها فحص وتصنيف كل قطعة أثرية في مواقعها الأصلية قبل اختيار ما يتناسب مع طبيعة العرض المتحفي داخل المتحف المصري الكبير.
أضاف سعد، أنه تم إعداد تقارير علمية دقيقة توثق حالة كل قطعة، وتحدد أسلوب تغليفها وطريقة النقل الأنسب لها، بما يضمن الحفاظ على حالتها دون أي تلف أو خدش.
كما أن عملية النقل تمت تحت إشراف أمني مشدد من خلال شرطة السياحة والآثار التي تولت تأمين كل مراحل النقل، من خروج القطع من مواقعها وحتى وصولها إلى معامل الترميم داخل المتحف.
وأشار إلى أن العملية تمت وفق جدول زمني محكم، وباستخدام معدات نقل متخصصة تراعي طبيعة المواد الأثرية سواء كانت حجرية أو خشبية أو عضوية، مع مراقبة درجات الحرارة والرطوبة خلال النقل لضمان عدم تأثر القطع بالعوامل الجوية.
أوضح أيضاً أن المتحف المصري الكبير يضم الآن أكبر معامل ترميم في الشرق الأوسط، وهي مجهزة بتقنيات حديثة تضاهي ما يوجد في كبرى المتاحف العالمية، حيث خضعت جميع القطع بعد وصولها لعمليات ترميم دقيقة على أيدي خبراء على أعلى مستوى من الكفاءة.
أشار إلى أنه بعد ذلك، عُرضت القطع على لجنة العرض المتحفي التي اختارت منها ما يتوافق مع فلسفة المتحف من حيث التسلسل الزمني والتكامل التاريخي والديني والحياتي للحضارة المصرية القديمة.
أضاف أن هذا النظام العلمي والمهني الصارم في نقل واختيار وترميم القطع الأثرية كان له دور كبير في أن يظهر المتحف المصري الكبير بهذا الشكل المبهر الذي يليق بمكانة مصر التاريخية، مؤكداً أن العمل الأثري في المشروع كان بمثابة ملحمة وطنية حقيقية شارك فيها علماء وخبراء وفنيون من مختلف التخصصات.
أشار سعد إلى أن نجاح عملية النقل بهذا الحجم والدقة يعكس تطور المنظومة الأثرية في مصر، وقدرتها على إدارة تراثها بعقلية علمية حديثة، مضيفاً: «ما تحقق في المتحف المصري الكبير هو رسالة واضحة بأن المصريين المعاصرين قادرون على حماية ماضيهم وتقديمه للعالم بصورة علمية وحضارية تعكس عمق انتمائهم واعتزازهم بتاريخهم».
أوضح مدير إدارة آثار ما قبل التاريخ أن مصر أصبحت اليوم تمتلك نموذجين متميزين من المتاحف؛ الأول هو المتاحف الكبرى مثل المتحف المصري بالتحرير، المتحف الإسلامي، المتحف القبطي، والمتحف اليوناني الروماني، وهي التي تعكس مسار تطور علم المتاحف في القرنين الماضيين.
كما نوه بأن النموذج الثاني هو المتاحف العملاقة التي تمثل نقلة نوعية في الفكر المتحفي العالمي، وعلى رأسها متحف الحضارة والمتحف المصري الكبير، وهما يقدمان التراث المصري بمنهج حديث يجمع بين العرض المتحفي والتقنيات التفاعلية الحديثة.
أكد سعد أن المتحف المصري الكبير يمثل أحد أهم المشروعات القومية العملاقة التي نفذتها الدولة المصرية خلال العقدين الماضيين، حيث بلغت تكلفته الإجمالية نحو 1.2 مليار دولار، تم تمويلها من خلال معونة يابانية من وكالة جايكا إلى جانب التمويل الحكومي المصري، في إطار شراكة دولية تجسد الاحترام العالمي للحضارة المصرية القديمة.
أشار إلى أن الدولة المصرية عملت خلال السنوات الماضية على تطوير المواقع الأثرية وربطها بالمنظومة السياحية العالمية؛ وهو ما ظهر على حركة السياحة الوافدة التي شهدت نموا كبيرا خلال العام الجاري بعد الافتتاح الجزئي للمتحف، حيث بلغ عدد السائحين نحو 15 مليون زائر، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 30 مليون سائح خلال ثلاث سنوات عقب الافتتاح الكامل المقرر اليوم السبت.
ووفق سعد، فإن إنشاء المتحف المصري الكبير سحب البساط من تحت أكبر المتاحف العالمية مثل اللوفر في باريس، متحف الفاتيكان، برلين، والمتحف البريطاني؛ لأنه يقدم نموذجاً فريداً لمتحف مخصص بالكامل لحضارة واحدة هي الحضارة المصرية القديمة.
أضاف مدير إدارة آثار ما قبل التاريخ بوزارة السياحة والآثار المصرية أن ما يميز المتحف ليس حجمه أو عدد مقتنياته فحسب، بل الرسالة الحضارية التي يحملها للعالم، وهي أن مصر القديمة ما زالت موجودة في وجدان أبنائها الذين يواصلون اليوم رسالتها في البناء والإبداع والحفاظ على الهوية.