
في كل مرة نقرأ فيها خبراً عن سيارة كهربائية تلتهمها النيران، نشعر بأن المشهد أكبر من مجرد حادث تقني. هناك خوف صامت، يتسلل بين السطور، ويُغذّي سردية غير عادلة: "السيارات الكهربائية خطيرة". لكن الحقيقة، كما هي دائماً، أكثر تعقيداً وأقل إثارة مما تحب العناوين الصاخبة.
وفق بيانات EV FireSafe، احتمال اندلاع حريق في سيارة كهربائية لا يتجاوز 0.0012%. رقم يبدو كهمسة في ضجيج العالم. ومع ذلك، عندما يقع الحادث النادر، يتحول إلى عاصفة إعلامية. المفارقة هنا أن سيارات البنزين تشتعل بمعدلات أعلى بكثير، لكننا اعتدنا نيرانها، فصارت طبيعية، بينما تبدو نار البطارية وكأنها خيانة للتكنولوجيا التي وعدتنا بالمستقبل.
حريق السيارة الكهربائية لا يشبه غيره. هو نتاج ما يُعرف بالانفلات الحراري، لحظة تفقد فيها البطارية توازنها الكيميائي. الحرارة تتصاعد، خلية تشعل أخرى، كقطع دومينو من اللهب. في حالات موثقة، مثل حادثة اشتعال بطارية Chevrolet Equinox EV، كانت شرارة صغيرة كافية لإطلاق سلسلة تفاعلات لا ترحم. هنا تكمن المشكلة: بطاريات الليثيوم-أيون يمكن أن تحترق عند أكثر من 1200 درجة مئوية، حرارة تكفي لتحويل الماء نفسه إلى بخار غاضب قبل أن يهدئ النار.
في عام 2022، كشفت منظمة CTIF أن أحد أقسام الإطفاء في الولايات المتحدة احتاج إلى 24 ألف غالون من المياه لإخماد سيارة كهربائية واحدة. قد يبدو الرقم صادماً، لكنه ليس دليلاً على فشل التكنولوجيا، بل على طبيعتها المختلفة. البطارية مخبأة أسفل أرضية السيارة، محصّنة داخل درع معدني. الوصول إليها أشبه بمحاولة إطفاء حريق داخل خزنة مغلقة.
وكما قال رئيس إطفاء وودلاندز "بالمر باك" في حديثه إلى FOX 7: "لا يمكنك الوصول إلى البطارية كل ما يمكنك فعله هو الانتظار وسكب الماء".
الخطر لا يتوقف عند اللهب. الأبخرة المتصاعدة من حريق البطارية تحمل في طياتها مواد سامة وقابلة للاشتعال، مثل سيانيد الهيدروجين وأول أكسيد الكربون. الدخان هنا ليس مجرد نتيجة، بل شريك في الخطر. والأسوأ أن البطارية، حتى بعد إخمادها، قد تعود للاشتعال بعد أيام أو أسابيع، كجمرٍ يرفض الموت.
هذه الحرائق تمثل عبئاً مزدوجاً. من جهة، ترتفع تكاليف التأمين، وتحتاج فرق الطوارئ إلى معدات وتدريب خاصين. ومن جهة أخرى، يُضخّم الخوف الإعلامي هذه الحوادث، ما يبطئ وتيرة تبنّي السيارات الكهربائية ويؤخر استرداد الاستثمارات الضخمة التي ضختها الشركات في التحول الكهربائي. لكن لنرى الأمر من زاوية أخرى: كل حادث هو درس مكلف، نعم، لكنه استثمار في نضج التكنولوجيا. تماماً كما احتاجت سيارات البنزين عقوداً لتصبح آمنة، تمر السيارات الكهربائية الآن بمرحلة التعلّم بالنار.
حرائق السيارات الكهربائية ليست وباءً، بل ظاهرة نادرة ذات طبيعة خاصة. الماء الكثير ليس دليلاً على الخطر، بل على الاختلاف. وبين الخوف والواقع، هناك حقيقة واحدة: "المستقبل الكهربائي قادم، لا لأنه بلا عيوب، بل لأنه يتعلّم منها بسرعة".