logo
اقتصاد

عودة تونس للاقتراض الخارجي.. طوق نجاة أم رهان محفوف بالمخاطر؟

عودة تونس للاقتراض الخارجي.. طوق نجاة أم رهان محفوف بالمخاطر؟
أشخاص يتجولون في منطقة تجارية وسط تونس العاصمة، يوم 7 مارس 2025المصدر: أ ف ب
تاريخ النشر:

بعد سنوات من الاعتماد على بدائل تمويلية داخلية، تعود تونس إلى الأسواق العالمية، معلنة إصدار سندات دولية بقيمة 470 مليون دولار لتغطية احتياجات موازنة 2026.

ووفق خبراء تحدثوا مع «إرم بزنس»، فإن الخطوة التونسية تعكس محاولة لإحياء ثقة المستثمرين الدوليين، وتبعث رسالة مفادها أن الاقتصاد التونسي ما زال يملك مقومات للعودة إلى مسار التعافي رغم ارتفاع كلفة الاقتراض.

وأكدوا ضرورة توجيه جزء من هذه الأموال المقترضة بشكل ذكي نحو تمويل مشروعات بنية تحتية منتجة كالطاقات المتجددة، واللوجستيات أو دعم قطاعات تصديرية واعدة تكون قادرة على خلق عائد اقتصادي ما يساعد على سداد هذه الديون حتى لا تكون عبئاً جديداً على الاقتصاد وتتسع فجوة الديون.

أخبار ذات صلة

مدينة بنزرت شمالي تونس في 13 سبتمبر 2025.

عائدات السياحة في تونس تسجل 2.4 مليار دولار في أول عشرة أشهر من العام

تراجع الديون الخارجية

تزامناً مع خطط إصدار السندات الدولية، شهدت تونس أخيراً انخفاض الدين الخارجي من 66.874 مليار دينار (22.7 مليار دولار) في 2023 إلى 62.539 مليار دينار في 2024، ويُتوقع أن يصل إلى 56.971 مليار دينار في 2025، ثم 56.486 مليار دينار في 2026، وفقاً لبيانات وزارة المالية الصادرة في 23 أكتوبر الماضي.

وتتوقع الوزارة أن يشهد عام 2026 انخفاضاً ملحوظاً في خدمة الدين العام، أي المبالغ التي تدفعها الدولة لتسديد أصل الدين والفوائد، بنسبة 5.8% مقارنة بعام 2025، بما يعادل نحو 1.427 مليار دينار تونسي.

ووفقاً لبيانات وزارة المالية ضمن تقرير مشروع ميزانية الدولة لسنة 2026، ستبلغ قيمة خدمة الدين نحو 23.057 مليار دينار، مقابل 24.484 مليار دينار خلال 2025.

سندات لتمويل الميزانية

تأتي خطوة العودة لسوق السندات الدولية الأولى منذ 2019، وفق حديث أستاذ الاقتصاد في جامعة تونس رضا الشكندالي مع «إرم بزنس»، ضمن خطة أوسع لتعبئة تمويلات خارجية تصل إلى 6.8 مليار دينار مقابل 19 مليار دينار من الاقتراض الداخلي، لسد عجز ميزانية 2026 الذي يُقدر بـ11 مليار دينار.

وتقدر ميزانية تونس لعام 2026 بأكثر من 63.5 مليار دينار، من بينها 47.7 مليار دينار من الضرائب مع الحاجة إلى تمويلات بقيمة 27 مليار دينار وعجز متوقع 11 مليار دينار.

وفي مواجهة عجز تمويلي خانق، كشفت وثائق مشروع قانون المالية لسنة 2026 النقاب عن خطة طموحة ومحفوفة بالمخاطر في آن واحد، إذ تهدف الخطة إلى سد فجوة التمويل من خلال مسارين متوازيين للاقتراض الخارجي والداخلي.

على الصعيد الخارجي، تسعى تونس إلى تعبئة حزمة تمويلية ضخمة تقدر بنحو 7.1 مليار دينار (2.3 مليار دولار)؛ لدعم موارد الخزينة وتمويل الواردات الأساسية من مواد غذائية وطاقة، والتي تشكل عبئاً متزايداً على احتياطيات النقد الأجنبي.

أما على الجبهة الداخلية، فمن المقرر أن تبلغ موارد الاقتراض الداخلي حجماً هائلاً وغير مسبوق يقدر بـ 19 مليار دينار تونسي (نحو 6.1 مليار دولار).

وباعتقاد الشكندالي، فإن هذا الرقم الضخم يسلط الضوء على إشكالية أساسية تتمثل في اعتماد الحكومة على البنك المركزي المحلي لتمويل عجزها، وهي سياسة ينتقدها خبراء اقتصاديون لأنها تعمل بشكل أساسي على طباعة النقود لسد العجز، مما يضخ كميات هائلة من السيولة المحلية في اقتصاد لا ينمو بالوتيرة نفسها، وهو ما يزيد حدة الضغوط التضخمية ويؤجج الغلاء الذي يعاني منه المواطنون.

ومنتصف الشهر الماضي، أعلنت الحكومة التونسية ضريبة على الثروة في مشروع موازنة 2026 ضمن خططها للإصلاح الضريبي تتضمن ضريبة بنسبة 0.5% للثروات المقدر قيمتها بين ثلاثة ملايين دينار (نحو مليون دولار) وخمسة ملايين دينار، وبنسبة 1% للثروات التي تفوق قيمتها أكثر من خمسة ملايين دينار.

المقر الرئيسي للبنك المركزي التونسي في تونس، فبراير 2011
المقر الرئيسي للبنك المركزي التونسي في تونس، فبراير 2011 المصدر: أ ف ب

مخاطر الدين

ولا يمكن فهم خطورة هذه الخطوة دون وضعها في السياق التراكمي للدين العام التونسي، الذي تحوّل من أداة تمويل إلى شبح يهدد الاستقرار المالي للبلاد.

وبحسب أحدث البيانات الصادرة عن البنك المركزي التونسي وتقارير مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية، فقد تجاوز إجمالي الدين العام حاجز الـ 140 مليار دينار تونسي (حوالي 45 مليار دولار)، لتبلغ نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي مستوى خطيراً يقترب من 80%، وهي عتبة تنذر بالمخاطر وفق معظم المعايير الاقتصادية الدولية.

ولعل الأخطر من حجم الدين نفسه، حسبما يؤكد أستاذ الاقتصاد في جامعة تونس، هي تكلفة خدمة الدين، التي تشمل أقساط سداد أصل الدين والفوائد المترتبة عليه، تستهلك سنوياً نحو 15 مليار دينار تونسي، مما يحاصر الموازنة العامة ويحد بشكل كبير من هامش المناورة أمام الحكومة للإنفاق على القطاعات التنموية والإنتاجية.

صندوق النقد الدولي

من جانبه، يشير معز حديدان، الخبير المالي، في حديثه مع «إرم بزنس»، إلى تداعيات تأخر الاتفاق مع صندوق النقد الدولي والذي تشهد مفاوضاته تعثراً منذ سنوات للحصول على قرض بقيمة  1.9 مليار دولار، مؤكداً أنه ليس مجرد بوابة للحصول على قروض ميسرة، بل هو في الأساس شهادة ثقة في السياسات الاقتصادية للدولة.

ويوضح حديدان أن العودة إلى الأسواق الدولية دون إبرام اتفاق مع الصندوق تشبه دخول امتحان دون دراسة، فالمستثمرون الدوليون ينظرون إلى تصنيف تونس الائتماني (B- مع نظرة مستقبلية سلبية) وسيطلبون علاوات مخاطرة عالية جداً لتعويضهم عن خطر التعامل مع اقتصاد يعد غير مستقر.

لذلك، يرى الخبير المالي أن الاتفاق مع الصندوق هو بمثابة ضمانة على أن تونس ملتزمة بخطة إصلاح واضحة، مما يخفض تكلفة الاقتراض بشكل كبير ويفتح الباب ليس فقط للقروض، بل للاستثمار الأجنبي المباشر.

أخبار ذات صلة

المقر الرئيسي للبنك المركزي التونسي في تونس، فبراير 2011

إضراب البنوك يشل تونس وسط تصاعد التحديات الاقتصادية

تأمين السيولة

 يعتبر الشكندالي أن اللجوء إلى السندات الدولية هو خيار ضروري رغم مرارته؛ فهو يمنح الحكومة متنفساً عاجلاً ومباشراً لتأمين السيولة وتخفيف الضغط المالي لتوفير الواردات الأساسية مثل القمح والطاقة، مما يمنع انفجار أزمة اجتماعية حادة.

ورغم ذلك، يرى أستاذ الاقتصاد التونسي أن العودة للاقتراض الخارجي قد تخفف الضغوط قصيرة الأمد، لكنها لا تحل المشكلة الهيكلية، وفي الوقت نفسه يحذر من أن الضخ المتوقع للسيولة المحلية بقيمة 19 مليار دينار، في ظل نمو اقتصادي ضعيف لا يتجاوز 1-2%، هو وصفة تؤدي لارتفاع معدلات التضخم بعدما تراجع إلى 5% في سبتمبر، مما يضعف القوة الشرائية للدينار يوماً بعد يوم.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف