
لقرون، لم يكن فن تنسيق العطور في الشرق الأوسط مجرد روائح، بل لغة للتعبير عن الفخامة والهوية، تعكس إبداعاً مستمراً وسعي الإنسان لصناعة تجربة عطرية شخصية. ومع صعود ما يعرف بـ«سميل ماكسنغ» (#smellmaxxing)، أصبح هذا الفن القديم أكثر من تقليد؛ فهو اليوم ظاهرة استهلاكية عالمية تقود النمو الاقتصادي في سوق العطور، وتتصدّر دبي المشهد كمركز إقليمي يربط بين التراث العطري والتجارة الحديثة.
سوق العطور العالمي يشهد نمواً يفوق معظم فئات الجمال الأخرى. فقد سجلت المنتجات الجماهيرية نمواً بنسبة 17% خلال النصف الأول من 2025، بينما ارتفعت الفئة الفاخرة بنسبة 6%، وفق بيانات شركة «سيركانا» (Circana). وتُقدّر قيمة السوق العالمي بنحو 77.73 مليار دولار في 2025، مع توقعات بنمو سنوي يفوق 5% خلال الأعوام المقبلة، ما يعكس الطلب المتزايد على العطور المبتكرة والمخصصة.
في الشرق الأوسط، خصوصاً دول الخليج، يُعد الإنفاق الفردي على العطور من الأعلى عالمياً، ما يجعل المنطقة محرّكاً حيوياً لهذه الصناعة. الإمارات على سبيل المثال، يُتوقع أن يصل حجم سوقها إلى 910 ملايين دولار في 2025، بينما يبلغ حجم سوق المنطقة ككل 3.76 مليار دولار في 2024، مع نمو سنوي متوقع بنسبة 7.5% حتى 2034، وفق تقارير «موردور إنتليجنس» و«إكسبيرت ماركت ريسيرتش».
وعلى الرغم من أن المنطقة تمثل أقل من 5% من السوق العالمي، إلا أن تأثيرها التجاري والثقافي يفوق وزنها العددي بوضوح.
مع هذا النمو، لم يقتصر التحول على الأرقام فقط، بل شمل تجربة المستهلك. علامات عالمية أطلقت مجموعات مستوحاة من ثقافة مزج العطور في الخليج، بينما وفرت المتاجر الكبرى في «دبي مول» و«مول الإمارات» محطات تفاعلية تسمح للزبائن بابتكار رائحتهم الخاصة. وفي القطاع الرقمي، أصبحت منصات التجارة الإلكترونية أداة رئيسية لتوسيع قاعدة المستهلكين، مع منصات تفاعلية لتجربة المزج عبر الإنترنت، ما يعكس اعتماد السوق على التجربة والتنوع الشخصي.
وبالتوازي، ظهرت شركات ناشئة محلية وإقليمية تقدم خدمات تصميم عطور مخصصة، ما يخلق بيئة تنافسية ويشجع الابتكار، ويظهر كيف يمكن للتراث العطري أن يتحول إلى قوة اقتصادية حقيقية عبر التكنولوجيا والتجربة الشخصية.
سلوك المستهلكين يتغير بشكل جذري، خصوصاً بين «جيل زد» و«جيل الألفية». فقد تراجعت فكرة «العطر المفضل» لصالح امتلاك مجموعة من العطور وفق المناسبة، أو ما يعرف بـ«خزانة العطور».
دراسة أجرتها «بوسطن كونسلتينغ جروب» أظهرت أن 73% من المستهلكين يستخدمون ثلاثة عطور أو أكثر بانتظام، مع إنفاق متوسط يبلغ 204 دولارات سنوياً، متجاوزاً الأجيال السابقة. وفي الغرب، ساهمت منصات مثل «تيك توك» في ترسيخ هذه الثقافة الاستهلاكية الجديدة، حيث أصبحت مقاطع تعليم مزج العطور من أكثر محتويات الجمال انتشاراً عالمياً.
ازدياد الطلب على العطور القابلة للتنسيق دفع دور العطور الكبرى لإعادة هيكلة منتجاتها، فباتت تطلق مجموعات متكاملة بدلاً من منتج واحد، بما يتماشى مع المنهج المستوحى من الشرق الأوسط. ويتوسع هذا التوجه ليشمل فئات جديدة مثل عطور الشعر وبخاخات الجسم ومثبتات العطور، لتعزيز ثقافة التنسيق وتشجيع الشراء المتكرر، مع خلق فرص جديدة للابتكار في السوق.
رغم الانتشار العالمي، يظل فن تنسيق العطور متجذراً في الثقافة العربية، ليس كموضة عابرة، بل إرثاً اقتصادياً وثقافياً يعكس الفخامة والهوية. وتبني العلامات الغربية لهذا الفن ليس توسعاً تجارياً فحسب، بل اعتراف بالدور المتنامي للشرق الأوسط في إعادة تشكيل سوق العطور العالمي.
واليوم، ما كان يوماً طقساً تقليدياً، أصبح صناعة بمليارات الدولارات تقود الابتكار العالمي، وتضع المنطقة في قلب مستقبل الاقتصاد العطري، حيث يلتقي التراث العطري بالابتكار التجاري والتجربة الشخصية للمستهلك، في سوق عالمي متسارع ومتنوع، يعكس قدرة الشرق الأوسط على تحويل الإرث الثقافي إلى قوة اقتصادية واستراتيجية عالمية.